الرئيسية / ثقافة / خاص بموقع الديار التونسية قصة بعنوان: شبح إنسان بقلم: الأستاذ بدرالدين ناجي

خاص بموقع الديار التونسية قصة بعنوان: شبح إنسان بقلم: الأستاذ بدرالدين ناجي

بؤس بطعم الشقاء. صاحبه تعيس يتمنى للكون الفناء، انسان كان له حلم جميل عندما كان طفلا صغيرا، كبر و كبر حلمه معه، و في نفس الوقت بدأت تضيق من حوله الحياة، لأنه يعيش في عالم كل فرد فيه يعمل لنفسه، و كل لا يهتم إلا بمصالحه،
تذكر حياة اليتم التي عاشها و تذكر المعاناة التي مر بها، كان يريد أن يعوض والدته التي تعبت من أجله حياة الشقاء، و يجعلها سيدة النساء و يشتري لها منزلا و يلغي من عقلها شيء اسمه ثمن الكراء، لكن تصاريف الحياة لم تسر وفق تلك الأمنيات، و دخل الشاب المسكين في متاهات الحياة، و ارتكب بعض الحماقات، و دفع ثمنها في السجن و أضاع من حياته احلى السنوات، ماتت أمه بحسرتها عليه،
و بدأ الحلم الجميل يبتعد عنه و يختفي من حياته شيئا فشيئا، و فقد الأمل في العيش الكريم، و في العمل الشريف، و بعد أن خرج من سجنه، لم يقبل احد توظيفه أو اسكانه او تكليفه بعمل، و عاش يتنقل بين الشوارع يجوبها شارعا شارعا، لم يعد يهتم بأي شيء، و ما عاد يتابع ما يجري في هذا الفضاء الشاسع. همه نفسه و شغله شربه و اكله و لبسه، لقد تحول مع مرور الزمن إلى بقايا إنسان،
ما أطول الليالي الباردة، جسمه ما عاد يحتمل، احتواه صقيع الشتاء بعد أن توغل في أوصاله برد قارس في ليل دامس، تتساقط ملامح وجهه يوما بعد يوم، و يختفي البهاء من محياه بعد أن رسمت ريشة الحياة رتوشاتها الحزينة عليه. و اختفت السعادة منه. حتى معطفه الذي كان يقيه البرد و يستره انتهت صلاحيته، و لم يعد ينفع معه لا الغسل و لا الترقيع، و برد هذه الليلة شديد لا يزيله لا النفخ في الهواء و لا التقوقع و لا الانزواء.
وحيد مسكين ينخر جسمه الهزيل البرد و الجوع و الأنين، هكذا حاله منذ سنين، يتجرع آهات البؤس، و يتغذى على صدقات المحسنين، و حتى الذي كان يعطف عليه و يكرمه من حين إلى حين، لم يعد من أحياء هذا العالم، فلقد توفاه الله و ما عاد يراه.

وحيد هو الأن يعاني، ليس له أحلام يعيش بها، او آماني يستمر في الحياة من أجلها، تقوقع حول نفسه و استسلم لتعاسته، تكور في زاوية من زوايا احد الدكاكين، ينهش البرد لحمه كالسكين، ينتظر أحد المحسنين، لعله ينال منه عطفا يزيل أصوات معدته، و يزيل عن أوصاله برد الأيام و يبعده عن مؤقت الفناء. و هكذا تمر الليالي و هو قابع كل ليلة في هذه الزاوية و لا يبالي.
و في ليلة ليلاء اشتد فيها برد الشتاء و ظهرت فيها علامات البلاء، لم يجد المسكين مكانا دافئا أو رغيفا ساخنا او غطاء يحميه من قر البرد، و خوفا من الفناء و من أن يضيق به الزمان و المكان، فسح المجال للخيال، و تصور أنه يتجول بين الحقول و يستنشق عطر الزهور، و حوله الفراشات تحلق في السماء، و الطيور تغرد في الفضاء، و هو يجري و يلهو و يمرح و يبتسم و يفرح. ‏
اعترته موجة من الهدوء، و تغلغلت في اوصاله لحظات من السكينة و الانشراح، كأن الحلم بلسم داوى له الجراح، فاستسلم للنوم و أكمل حلمه الرائع، و الابتسامة تعلو محياه، و في هذا الزمن المستقطع من اطراف الحياة، حل أمر الإله القدير، و غادر المسكين دنيا الناس الجشعين في صمت دون أن يفزعهم او يحدث ضجيجا يزعجهم.
و في ذاك الصباح مر أحد الأشخاص الميسورين فراى الإبتسامة على وجه المسكين فبخل بها عليه، و قال بصوت مسموع: من اين له بهذه الإبتسامة الجميلة؟. و حرك رأسه في استغراب، و مر بسرعة كأنه لم يره. و هكذا انتهت قصة من قصص الحياة كان بطلها انسان كان له حلم جميل فانتزع منه حلمه، فصار بلا أمل و بلا منزل و بلا وطن. بدرالدين ناجي

عن abdallah

شاهد أيضاً

التحية العسكرية الأخيرة:المهدي عثمان

التحية العسكرية الأخيرة   يَمشي كحصان أُحيل على شَرَف الخِدْمة كان يَجُرّ ذاكرته الملأى بعربات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *