الرئيسية / ثقافة / حِكَايَةُ الْبُقْعَةِ الْأَزَلِيَّةِ

حِكَايَةُ الْبُقْعَةِ الْأَزَلِيَّةِ

**********
هُنَا حَيْثُ الْكُلُّ جَمْعٌ لِمَمَاتْ
كَانَتْ لَنَا حَيَاةْ
يَطُوفُ فِيهَا وَبِهَا الطُّيُورْ
وَذَوْقُ رَبِيعِ وَرْدِ الْأُرْجُوَانْ
تَصَّاعَدَ بَائِسًا
وَتَمَايَلَ سَاهِيًا
فَوْقَ السَّمَاءْ
ثُمَّ سَقَطَ كَمَا الْهَامَاتْ
مِنْ صَقِيعِ أَنْفَاسِ الْإِنْهِيَارْ
خَرَّ كَمَا الْقَامَاتْ
مِنْ بَرْدِ أَكْيَاسِ الْإِنْتِحَارْ
كَبَقَايَا الرَّعَايَا
مَنْ تَمْشِي بَيْنَ أَشْوَاكِ الدُّهُورْ
أَوْلِيَاءْ
تَكَلَّمُوُا فِي حِينِ نِسْمَةِ الْأَحْرَارْ
لِيَرْحَلُوا وَيُهَاجِرُوا
سُفَرَاءْ أَبْرَارْ
تَحْتَضِنُهُمْ مَوَانِئُ الدِّمَاءْ
لِيَنْتَشِرُوا وَيَتَمَدَّدُوا أَشْلاَءْ
مَغْرُوسَةٌ فِيهُمُ الْأَنْيَابْ
مَنْهُوشَةٌ مِنْهُمُ الْأَجْسَادْ
مَنْ رَفَّتْ فَإِنْتَفَتْ
بَيْنَ طَيّاَتِ طَبَقَاتِ الْفَضَاءْ
وَأَبْوَابِ ضِفَافِ الأَحْزَانْ
فِي مَلَكُوتِ رَبِّ السَّمَاءْ
أُنْتُهِكَتْ الأَسْوَارْ
أَشْبَاهُ جِرْذَانْ
تَوَاطَئَتْ مَعَ الْخِلِّ الْوَفِيّْ
فِي خِلْسَةِ الظِلِّ الْمُوحِشِ لِلزَّمَانْ
فَدَنَّسَتْ زَهْرَ الْأَمْصَارْ
وَلَوَّثَتْ عِطْرَ الْأَسْرَارْ
وَالنَّظْرَةُ الْمَيّالَةُ الْحُبْلَى
غَزَتْهَا رَغْبَةُ
أَسْرَابِ الْمَغُولِ وَ التِّتَارْ
أَهْدَتْهَا قُبْلَةَ
مَشِيبِ الصِّغَارْ
أَنِينِ الْأَحْرَارِ
حَنِينِ الْقُبَّةِ الزَّرْقَاءْ
مَشِينَ الْأَمَانْ
مَهِينَ الْآيَتَانْ
بُكَاءَ إِنْسِدَالَ الشِّفَاهْ
وَالْكُلُّ تَغَيَّرَ تَطَبَّعَ
مُجَرَّدَ أَشْيَاءْ
فِي بَهْتَةِ مُرُورِ الْمَكَانْ
هَاجَرَتْ وَغَابَتْ
حِكَايَةُ هَوِيَّتِي
لِيَضِيقَ الصُّبْحُ بِالْمَسَاءْ
وَتَرْكُنَ الرُّوحُ لِلْهَوَانْ
وَ تَغْرَقَ الْبِقَاعُ فِي الْقَاعْ
ثُعْبَانْ
كَرَغْوَةِ مِلْحِ الْبَحْرْ
يُلاَعِبُ جَبَانْ
فِي الْمَاءِ الْعَكِرْ
لِيُسْقِطَهُ بِضَرْبَتَانْ
وَيَخْتِمَهُ بِطَعْنَتَانْ
فَبِأَيِّ آلاَءِ الْأَرْضِ يُكَذِّبَانْ
وَ لِلرَّبِ الْحَنّاَنِ جَنَّتَانْ
فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانْ
فِي ذَاتِ غُرْبَةِ شِتَاءْ
وَفِي سَمَا بِسَاطِ الْأَسْحَارْ
حَمَامَةُ الْأَلْوَانْ
قَمَرِيَّةُ الْنَّدَى
حَافِيَةُ الْقَدَمَانْ
عَيْنَاهَا أَنْهَارْ

مَسْمَعُهَا أَنْغَامْ
تَهْمِسُ بِبَصِيصِ النَّظَرَاتِ نِدَاءْ
لِغُرُوبِ تَدَفُّقِ وُجُودِ الْمِشْوَارْ
تَحْمَسُ بِحَسِيسِ الْلَّحَظَاتِ لِقَاءْ
لِدُرُوبِ قُبْلَةِ شُهُودِ الدِّيَارْ
فَتَذُوبُ الْعَتَبَاتُ الْأَثِيرَهْ
عِنْدَ فُتْحَةِ الْهَوَى
عَلَى الْعُشْبِ الطَّرِيِّ
مِنْ قَهْرِ الْكَلاَمْ
كَعُودِ بَتْرِ السِّنْدِيَانْ
وَ تَرُوبُ الدَّرَجَاتُ الْكَسِيرَهْ
مَعَ مَشْهَدِ أَصِيلِ الدَّمْعَتَانْ
كَجَوْدِ نَثْرِ الْأُقْحُوَانْ
لِتَعْتَنِقَ الشَّهْوَتَانْ
رَغْوَةَ الْأَشْجَانْ
ثُمَّ يَمُرُّ عُمْرُ عِشْقِ الضِّيَاعْ
كَمَا جِيدُ الْغَثَيَانْ
وَحِينَ يَرْتَفِعُ الْآذَانْ
وَيُرَتَّلُ الصَّوْتُ الجَلِيُّ
تَصْعَدْ لِتُصَلِّي
كَبُذُورِ الرُّمَّانْ
كَالْجَسَدِ الْبَرِيِّ التَّقِيِّ
جَهْرَا رَكْعَتَانْ
فَبِأَيِّ آلاَءِ الْعِرْضِ تُكَذِّبَانْ
وَ لِلْحَقِّ رَوْعَةُ الْقِبْلَتَانْ
فِي الْبُقْعةِ الْأَزَلِيَّةِ
العَتِيقَةِ الْيَتِيمَةِ
يَدَانْ
إِعْتَنَقَتْ الْإِنْسِدَالْ
فَضَمَّهُمَا السِّنَانْ
وَ عَالَجَهُمَا الْحَيَوَانْ
وَخَاصَمَهُمَا الْغِرْبَانْ
الْكَائِنَانْ
يَتَدَاخَلاَنْ
وَ الْغُولُ وَ الطَّائِرُ الذَّهَبِيُّ
يَتَصَارَعَانْ
يَتَنَاحَرَانْ
وَ النَّفْسُ الشَّهِيَّةُ مِنْهُمَا تَرْدَعْ
لِتَعْشَقْ
سُكَّرَ ظِلِّ قَمَرِهَا
وَهُوَ يَسْطَعْ
لِيَشْفَعْ
أَلَمْ تَمْلَأْ كَفَّكَ حُبًّا وَ تَشْبَعْ
أَلَنْ تَنْزِلْ مِنْ لَيْلِكْ وَ السِّتَارَ تَرْفَعْ
أَلَنْهَضْ
بِيَدَيْكَ بِعَيْنَيْكَ
وَ غَنِّي وَ لُفَّ الْخُلوُدْ
أَلَسْبَحْ لِتَرْسُمْ وَ تَكْتُبْ
وَحْيَ لَحْنَ حَيَاةِ الْوُجُودْ
وَقُمْ وَهِمْ أَلَمْ تَسْمَعْ
أَلَخْتَصِرْ الْمَشْهَدَ الْأَوَّلِيَّ
حَبِيبَانْ
أَحْيَاءْ
فِي الْخُلْوَةِ نَائِمَانْ
الْمُغْرَمَانْ
يَصْطَادَانْ
السَّمَكْ بِلاَ شَبَكْ
هُمَا العَاشِقَانْ
لاَ يُنْكِرَانْ
أَنَّهُمَا هَائِمَانْ
أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُمَا الْبَيَانْ
فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِكُمَا تُكَذِّبَانْ
************
عماد الدِّين التُّونسي

عن abdallah

شاهد أيضاً

التحية العسكرية الأخيرة:المهدي عثمان

التحية العسكرية الأخيرة   يَمشي كحصان أُحيل على شَرَف الخِدْمة كان يَجُرّ ذاكرته الملأى بعربات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *