الرئيسية / اخر الاخبار / الثقافة و العنف : مراحل التطوّر : من الثقافة الى الاديولوجيا

الثقافة و العنف : مراحل التطوّر : من الثقافة الى الاديولوجيا


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276

نحاول في هذا المقال ان نضبط حدود العنف الثقافي و كيف يمكن ان يتحول هذا العنف الى ثقافة لنصل الى ما يسمى ” ثقافة العنف “ونعمد خلال هذا المقال الى تحليل الظاهرة و أسبابها دون ان نتهم طرف بعينه في ممارسة العنف باعتبار ان ممارسة العنف ممارسة قديمة . و لكن علينا ان نشير ان في تلك المرحلة لم يكن العنف فيها اديولوجيا او ثقافة و انما ممارسة نتيجة موقف معين او ردة فعل تجاه شيء بعينه . و لكن يتحول العنف الى ظاهرة تستحق الدراسة عندما يتحول الى ثقافة ثم الى اديولوجيا .
وفي الحقيقة فان هذا المبحث لم يكن جديدا اذ سبق للعديد من الدارسين تناول هذا الموضوع و مايدفعنا الى اعادة تناول هذه الظاهرة هو تنامي الخطاب العنيف بعد ما يسمى الربيع العربي وخاصة الخطاب السياسي مشحونا بطاقة عنف كبيرة و خاصة مع انتشار التيارات المتشددة
لقد قدم علم النفس خلال مسيرته في العلم الحديث من خلال تفسيراته للعدوان مناهج واستراتيجيات وتطبيقات متعددة لعلاج الاضطرابات النفسية التي تؤدي للسلوك العنيف لدى الأفراد، لكن يبدو أن مكافحة السلوك العنيف على مستوى التجمعات والمجتمعات البشرية تحتاج إلى اتصال وتكاتف بين هذا العلم وعلوم أخرى، وكذلك إلى اتصال بين هذا العلم والأطر الثقافية التي ينمو فيها وتعمل تطبيقاته في مجتمعاتها.
إن العنف ليس تصرفاً يجبر عليه الفرد بأصل تكوينه وخلقه، وكذلك ليس سمة ملازمة لبعض المجتمعات، ويمكن أن تتم مواجهته بإصلاح ثقافة هذا المجتمع، وفي الثقافة العربية والثقافة الغربية وغيرهما من الثقافات كثير من المواضع التي نحتاج أن نواجهها بالنقد لنعرف إن كانت توجه أبناء المجتمع نحو السلوك العنيف. وكذلك علينا ألا نقبل العنف باعتباره ظاهرة لا يمكن للبشرية كلها أن تنفك عنها في المرحلة الحالية من تاريخها، ومواجهة ذلك تكون ببذل الجهد في إصلاح الثقافة العالمية، وآليات الحوار بين الثقافات، والتواصل بين المجتمعات.
هناك عناصر عنف في كل ثقافة بشرية، يمكن ان تنمو وتزدهر اذا توفرت لها العوامل الملائمة، كما حصل في المانيا النازية، وكما يحصل في مجتمعاتنا الآن على سبيل المثال. وهناك كتّاب مجّدوا العنف ـ والحرب اقصى اشكاله ـ كحالة انسانية راقية لا بدمنها لانتاج الانسان الكامل! لكن هذه العناصر سرعان ما ذابت مع ذوبان مسبباتها ـرغم الخراب المهول الذي احدثته ـ ولم تستطع ان تتحول الى ثقافة لانها ضد الطبيعة الانسانية ذاتها، الطبيعة المجبولة على الخير والحب والجمال، حلم الانسان منذ فجرالخليقة حتى يومنا هذا.

وبذلك يتدرج العنف منكونه وسيلة واداة تدفعها غريزة حب البقاء الى ممارسة ثقافية تفرضها البيئة و هنا نشير الى العنف المنتشر في الاحياء الفقيرة و المهمشة . و لكن العنف يؤخذ بعده الخطير عندما يتحول الى اديولوجيا أي الى فكر و زاوية نظر للمجتمع و للاخر
و هنا نتسائل كيف يتحول العنف الى اديولوجيا . وفي رايي ان العنف يتحول الى اديولوجيا بتشبع الفرد بثقافة العنف و هذه الثقافة تبدا تدريجيا من الفرد الى المجتمع الى العالم . وذلك بتبني الانسان العنيف الى افكار عادة لا تجد مناصرين لها فتواجه بالرفض و الاستهجان و عدم القبول فيسعى بادئ الامر الى اعتماد الحجاج وسيلة للاقناع لكنه يعجز في ابلاغ رايه نظرا لضعف حجته او لقوة الحجة الداحضة لفكره فيعمد الى طريقة ثانية وهي طريقة الحمل على الاقناع و ذلك بعدم السماح للاخر بمناقشته و محاولة جعله متلقيا فقط فينفعل في كل مقاطعة او معارضة و امام عجزه في هذه الحالة يمر الى الجدل لكنه يعتمد نوع من الجدل العنيف مبني على الاتهام و الشتم و رفض قبول فكرة الاخر ليخرج عن دائرة الحوار الى العنف اللفظي الذي يتحول الى عنف جسدي ثم تتسع دائرة العنف من التوجه للفرد الى المجتمع الرافض لافكاره فيسعى الى معاقبة المجتمع بالعمل العنيف الذي تكون تعبيراته متعددة اخرها العمل المسلح و طبعا تتطور اليات العنف عنده من وسيلة للتعبير عن فكاره الى فكرة وهو ما يعرف بالعنف الثوري او بالجهاد في غير مواضعه لدى التيارات المتشددة و بذلك يتحول العنف من ثقافة الى اديولوجيا
و نحن بالنظر في مجتمعنا نلاحظ اننا الان قد مررنا من مرحلة تحول العنف من ثقافة الى اديولوجيا و نلاحظ ذلك في الخطاب المتشنج للسياسيين بمختلف مشاربهم و صرنا نشاهد العنف اللفظي على المنابر الاعلامية فيسعى المتدخل الى نعت خصمه بالتطرف و يكيل له الشتم الاديولوجي وطبعا لان السلوك العنيف يقوم على مثير يكون رد فعل الشخص الثاني عنيفا و هكذا تتطور حلقة العنف
و لكن السؤال اليوم كيف نحارب ثقافة العنف التي انتشرت في اوطاننا و التي تحول معها العنف الى اديولوجيا .
يمكن محاربة ثقافة العنف بثقافة الاعتدال و الحوار و ذلك بتشجيع الثقافة التي تنادي بالحرية و لا تقصي أحدا و تكرس مبدأ التسامح و التعايش السلمي و تحارب التطرف و العنف .و لكن السؤال الذي ينبغي طرحه كيف السبيل و المثقف نفسه قد انخرط في مشهد العنف و بات ينظر للعنف بل انه يغطيه المبرر الاديولوجي و الاخلاقي؟

عن abdallah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *