الرئيسية / اخر الاخبار / الفعل الثقافي و غياب الرؤية

الفعل الثقافي و غياب الرؤية

ان العمل الثقافي متغير في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المجتمع، متاصل في الفعل الاجتماعي و السياسي . فيكون له دور مهم في تشكل المدارس الأدبية والتيارات الفكرية، والمجتمعات الثقافية، و التوجهات السياسية ، وينجم عن ذلك بروز الجمهور الثقافي الذي ينخرط بدوره في هذه الصيرورة، من خلال اتصاله باالساحة الثقافية، فتتطور القضايا وتتعدد الإشكالات.
وهنا علينا النظر في الكيفية التي ينتظم بها العمل الثقافي ويمارس من خلاله الفاعلين الثقافيين. وكلما كان هذا الفاعل واعيا بالممارسة الثقافية وفق مبادئ تُمكِّنه من أن يكون له حضور وتأثير في الواقع الاجتماعي ـ التاريخي كان العمل الثقافي ذا جدوى . ومتى غاب ذلك، لم تكن له أي فاعلية. ولمعالجة واقع العمل الثقافي في تونس حاليا، لا بد لنا من الانطلاق من رؤية شاملة وتاريخية تتيح لنا الوقوف على العراقيل التي ساهمت في طبعه بالسمات السلبية و الرداءة .
يمكننا التمييز بين ثلاث حقب كبرى للعمل الثقافي في صيرورته الحديثة. في البدء كان للعمل الثقافي بعد وطني إبان تشكل الدولة الحديثة التي كانت تبحث لها عن مقومات الوجود. فتوازى ذلك مع ما يمكن تسميته بمرحلة تاسيس الدولة المرتبط بالهوية . فكان لانخراط المثقفين دور مهم في صياغة الأسئلة التي ساهم الكل في محاولة التفكير فيها، والجواب عنها بما يتلاءم مع تصوراته التي تشكلت بناء على ميوله ورؤيته. تضافرت في هذه الحقبة جهود الدولة مع استعدادات المثقفين، فحصل التلاؤم حول تطوير العمل الثقافي، فتحملت الدولة جزءا مهما من أعباء عملية التطوير عن طريق إحداث بنيات ضرورية للعمل الثقافي، وتكلف المجتمع الثقافي بجهد الإبداع والتفكير، فكانت النتيجة أن قامت المؤسسة. (حميع المؤسسات الثقافية )

ثم سرعان ما حدث الانزياح بفعل التطور، بين عمل كل من المؤسستين السياسية والثقافية، ووظيفة كل منهما، والعلاقات التي يمكن أن تحكمهما. كانت كل مؤسسة تسعى لجعل الأخرى في خدمتها، وملحقة بها. ومن هنا بدأ التمايز الذي أدى إلى الصراع أحيانا. و استطعت المؤسسة الحاكمة أن تهيمن على الثقافي وتدجن المثقف ، فجعلته في ركابها من خلال سيطرتها على الإعلام، وتوظيف المثقفين لخدمة السياسة الدولة ونتج هنا الكثير من التهميش للمثقف الذي رفض التدحين . في حين استقلت المؤسسة الثقافية عن الدولة بعد 14 جانقي 2011 سرعان ما بادرت المؤسسة السياسية الحوبية الى توظفها في مسيرتها ضد الدولة، فحصل نوع من التلاؤم بين المؤسسة الثقافية، والمعارضة السياسية.
كما أدى هذا التطور إلى بروز العمل الفردي على المستوى الثقافي. وصار تحسين الوضع الاجتماعي و المعنوي للمثقف هو الأساس، وليس الاضطلاع بالوظيفة الثقافية ضمن مجتمع ثقافي عام. وكان لبروز ظاهرة «الجوائز» أثرها في إشاعة الفردية التي تولدت عن تحولات عميقة في فهم العمل الثقافي ومزاولته. فصار الهدف المحدد للعمل، ليس في قيمته الاجتماعية، ولكن في مردوده المادي. وبات سؤال «المشاركة في الملتقيات و تاسيس الجمعيات الثقافية » هو الشغل الأساس. ودخل الفعل الثقافي في رداءة جديدة لعدم وجود المبادئ له و عدم فهم للوظيفة وعدم وجود رؤية للمثقف وهو ما يطرح علينا مراجعة جدوى الفعل الثقافي في تونس برمته
عبدالله القاسمي

عن abdallah

شاهد أيضاً

التحية العسكرية الأخيرة:المهدي عثمان

التحية العسكرية الأخيرة   يَمشي كحصان أُحيل على شَرَف الخِدْمة كان يَجُرّ ذاكرته الملأى بعربات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *