الرئيسية / اخر الاخبار / تونس : الدولة العميقة وعوائق محاربة الفساد

تونس : الدولة العميقة وعوائق محاربة الفساد

تعد “محاربة الفساد ” أحد الملفات التي يسعى رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد إلى جعلها إحدى أوليات حكومته بل انه كثيرا ما يبني عليها خطابه رغم إقراره ضمنيا بصعوبة هذا الملف وما أنجز في هذا المجال لا يكاد يذكر. حتى أن المهتمون اعتبروه مجرد ذر رماد على العيون . فالتقارير الدولية مازالت تصنف تونس في مراتب متقدمة . و مهما يكن من أمر جدية الشاهد في تناول هذا الملف . فإننا نرى أن هذا الملف يعتبر من أصعب الملفات التي يمكن تناولها في تونس باعتبار أن الفساد كما هو واضح تجاوز حدود الدولة المعلنة إلى ما يسمى بالدولة العميقة التي يكمن فيها الفساد و هي التي تحميه
نشأ مصطلح الدولة العميقة أولا في تركيا في تسعينيات القرن الماضي للتعبير عن شبكات من المجموعات وضباط القوات المسلحة الذين أخذوا على عاتقهم حماية علمانية الدولة التركية بعد قيامها على يد مصطفى كمال أتاتورك ومحاربة أي حركة أو فكر أو حزب أو حكومة تهدد مبادئ الدولة التركية العلمانية، وكان ذلك أول تعريف وظهور لمفهوم الدولة العميقة.
وعرف بعد ذلك تلك المفهوم تعريفات مشابهة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية مع إنشاء الوكالة المركزية للاستخبارات الأمريكية، وبدا أن الدولة العميقة تتمثل في شبكات السلطة السياسية في واشنطن والسلطة الاقتصادية والمالية في وول ستريت والتي تعمل على حماية مجموعة من شبكات المصالح المختلفة.
تردد بعد ذلك مفهوم الدولة العميقة بين العديد من الدول، ولا سيما في منطقتنا العربية والإسلامية وخاصة فيما بعد الربيع العربي التي تعاقبت على العديد من العواصم العربية وما آلت إليه الأحداث خاصة في تونس ، والتي شهدت تحولا أظهر مفهوما واضحا للدولة العميقة التي لعبت دورا مهما في مجريات الأحداث، ذلك المفهوم تجسد في المؤسسات الادارية والإعلامية التي تجتمع على هدف الحفاظ على مصالحها ضد أي تهديد والعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه بما يحفظ تلك المصالح المتشابكة و ارتبطت تلك المؤسسات مع شبكة رجال أعمال لها مصالح متقاطعة مع تلك الإدارات ،وبذلك اكتسبت الدولة العميقة سلطتين سلطة إدارية و سلطة مالية و باتت هي المتحكم الحقيقي في مفاصل الدولة .وكان لبيروقراطية الإدارة تلك المتعلقة بأسلوب الإدارة الذي يحافظ بقدر كبير على الوضع القائم دون تغيير والحفاظ على المصالح المتشابكة ضد أي تهديد من قبل أي جهة بما في ذلك السلطة السياسية التي في 2011 و التي لم تكن سليلة ذاك النظام الإداري و التي وجدت عرقلة من الإدارة و عبر عن ذلك مرارا وزراء الترويكا . وبعد انتخابات 2014 عملت الدولة العميقة إلى مزيد تقوية ذاتها داخل الدولة و لمزيد التنفذ معتمدة شعار عودة الكفاءات .و الجدير بالذكر أن مفهوم الدولة العميقة في تونس لم يكن وليد اللحظة دون أي مقدمات او ترتيبات، فلقد تم تهيئة المناخ المناسب من أجل تعزيزه وكي يعمل بشكل فعال ويؤدي دوره على أكمل وجه في عهد الرئيس بن علي خاصة باعتبار أن الصراعات بين الاجنحة في عهد بورقيبة لم يكن ملائما لقوتها .
و تسعى الدولة العميقة كي تحافظ على شبكات المصالح بداخلها الى استخدام العنف في إطار حالات استثنائية خارج إطار القانون وهو ما يعرف بحالة الاستثناء، والتي يتم فيها اتخاذ العديد من الاجراءات الأمنية بدعوى الحفاظ على الأمن القومي من الخطر الخارجي وأنه هناك دائما عدو مترصد لابد من التأهب دائما لصده للتخلص من تهديد و من ياتي الحديث على الارهاب و على تورط جهات متنفذة فيه و يتجلى ذلك بيسر في دراسة توقيت العمليات الارهابية ، وطبعا تسعى الدولة العميقة تخوين كل ينتقد أداء الدولة بشكله العام او السياسي بشكله خاصه، ويكون الهدف هو إضفاء طابع قانوني على حالة الاستثناء. وليس بعيدا أن يتم استغلال المؤسسات الدينية التي تسيطر عليها الدولة لتبرير تلك الاجراءات من الناحية الدينية حتى يتم إضاء طابع “شرعي – ديني” على ممارسات الدولة الأمر الذي يدفع المواطنين بالتزام الصمت.

وتقوم الدولة العميقة أحيانا بانتهاج الحيل والخداع على المواطنين من أجل الحفاظ على النظام العام ومنظومة القيم والمعتقدات المتعلقة بشكل مباشر أو غير مباشر للدولة. استخدام الجهاز الاداري “البيرقراطية” يعد أحد أدوات الدولة العميقة، وهو فرع عن القانون من أجل تطويل العمليات الادارية على المواطنين والتي من خلالها يعمل الموظف على الحفاظ على النظام العام وعدم إعطاء للمواطن الفرصة بالاعتراض أو احداث خلل في تلك المنظومة. أيضا تقوم الدولة بامتلاك أدوات الاقتصاد والتحكم في الاسواق من أجل الحفاظ على شبكات المصالح الاقتصادية التي تستفيد بشكل ما أو بآخر ببقاء الوضع العام على ما هو عليه وفي سبيل ذلك تقوم بافتعال الاحداث و الاشاعات التي من خلالها تتحكم في مسألة العرض والطلب واتجاهات السوق.
بجانب ذلك تقوم الجهات المتنفذة بامتلاك العديد من الشركات الاستثمارية التي تعود عليها بالربح وتكون جزءا من العمليات الاقتصادية. كما تقوم الجهات السيادية بالتوغل داخل الأجهزة الادارية والتنفيذية داخل الدولة مثل الحكم المحلي والولايات “تعيين ممثلين الدولة العميقة في تلك الأماكن” حتى تضمن أن جميع مفاصل الدولة تعمل بنفس للوتيرة. إلى جانب تعيين الموالين في الهيئات الادارات و الهياكل المتعلقة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية. وكي تستكمل هذه المعزوفة فإننا نرى الحملات الدعائية في الإعلام والتحريض وتوصيل رسائل الدولة بشكل مباشر وغير مباشر، والمساهمة في خلق الحيل والخداع وتضخيم العديد من القضايا الفرعية على حساب القضايا الكبرى كإضراب الأساتذة مثلا لتحريك الرأي العم في اتجاه يحافظ في الظاهر على الدولة و في الباطن على تلك المصالح ( شبكة التعليم الخاص و ضرب مجانية التعليم) ، ولن يكون هناك مجالات للشك في خضوع وسائل الإعلام المختلفة لأجهزة الدولة العميقة التي ترعى وتمول مثل ذلك الدور.
اذا فهمنا عمل الدولة العميقة سنرى أن الفساد من منتجاتها و هي التي تدافع عليه و تمتلك النفوذ الاقتصادي و الإداري و بالتالي فان أي عملية سياسية تنتج في البلاد ينبغي أن تخضع لسلطان الدولة العميقة و إلا ستفشل كما فشلت حكومة الترويكا التي تعتبر بجد تهديدا للدولة العميقة بغض النظر عن خياراتها السياسية . ويبدو أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد برفع شعار مكافحة الفساد أعلن خروجه عن الدولة العميقة و هو ما جعله يواجه مشاكل اقتصادية و موجة من التلاعب بالأسعار و الاحتكارات و غيرها من المشاكل التي هددت حكومته و في المقابل علينا أن نقر أن الحزب الذي ينتمي اليه الشاهد ليس كله ضد الدولة العميقة بل الكثير من اعوانه جزء من منظومة الدولة العميقة و هم الذين يعارضون محاربة الفساد . و بالتالي فشعار محاربة الفساد سيظل شعارا غير قابل للتنفيذ دون إعادة هيكلة الدولة و التخلص من الدولة العميقة المتنفذة في تونس وهو أمر يستحيل وقد يؤدي إلى الخلاص من الشاهد نفسه .
عبدالله القاسمي

عن abdallah

شاهد أيضاً

أردوغان يتبرع براتب 7 أشهر لمكافحة كورونا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الإثنين، إطلاق حملة تبرعات وطنية لدعم متضرري فيروس كورونا، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *