الرئيسية / اخر الاخبار / الشعبوية و العزوف السياسي في تونس

الشعبوية و العزوف السياسي في تونس

ما الذي جعل نسبة المشاركة في الانتخابات الاخيرة ضعيفة ؟ ما الذي جعل الشباب يعزف عن العمل السياسي ؟ ما الذي جعل النخب الحقيقية تنأى بنفسها عن العمل السياسي ؟ ما الذي جعل الكثير من الفاعلين المدنيين لا يفكرون في خوض غمار السياسة ؟ لماذا اهتزت صورة السياسي ؟ لماذا تزداد الشكوى من رجل السياسة ؟ لماذا فقد الساسة مصداقيتهم ؟ في الواقع هذه الاسئلة الحارقة تكشف بعمق أن السياسة في وطننا تعيش مأزقا حقيقيا اخلاقيا و اجرائيا ؟ وهو ما يدفعنا الي البحث عن السبب فبعدما ما كان الساسة يمثلون الخاصة . اصبحت العامة تتبرأ منهم و تظهر الازدراء بهم . بل بات السياسي العربي و التونسي خاصة محل ازدراء .
ونحن اذا نظرنا في السبب فسنقف على اهم مشكل و المتمثل في الشعبوية التي جعلت السياسي يتحول إلى مهرج .
و الظاهرة الشعبية او «الشعبوية» او ما يعرف «بوبيوليزم populism» اصبحت داء خطيرا يهدد النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية. وتعززت مرخرا بصعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية ودفعت بالتيارات اليمينية المتطرفة في الدول الاوروبية إلى الواجهة السياسية وهي نفسها التي تعاني منها الدول العربية بعد ظهور ما يسمى الربيع العربي .
و تتأسس هذه الظاهرة على اثارة المشاعر الجماهيرية باتجاه تغليب الذات على المصلحة الاجتماعية، وبذلك تتحول من شعور انساني عادي بالخصوصية والتميز الطبيعي عن الآخرين إلى ظاهرة اجتماعية ترى في الآخر عدوا او مناوئا او منافسا على اقل تقدير.
وان لعبت الشعبوية دورا هاما ايام الاستعمار لان رواد النهضة العربية ارادوا تنمية الشعور بالهوية الخاصة من اجل خدمة المصلحة العامة . و طرحت المسألة القومية بهدف التحول إلى هوية جامعة للشعوب العربية لتجمع امرها من اجل مواجهة الاستعمار الغربي من جهة والتصدي للاحتلال الصهيوني لفلسطين من جهة اخرى.

يعود نشأة “الشعبوية” إلى الفترة الواقعة بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، حين بدأت نزعتها في كل من روسيا القيصرية والولايات المتحدة. وكانت في الأصل تُطلق على حركة زراعية ذات ميول اشتراكية سعت لتحرير الفلاحين الروس حوالي 1870، وتزامنت مع تنظيم احتجاجات في الريف الأميركي موجهة ضد المصارف وشركات السكك الحديدية.
وبحلول منتصف القرن العشرين أخذ هذا المصطلح صبغة وطنية واجتماعية حررته من الارتباط بالتوجه الاشتراكي، خاصة في منطقة أميركا اللاتينية ولا سيما الأرجنتين.
ورغم أن خبراء في علوم السياسة والاجتماع يقولون إنه من الصعب تحديد المراد بتعبير “الشعبوية” لأنه لفظ محمل بمدلولات مختلفة بل ومتناقضة أحيانا؛ فإن آخرين يرون أنه يشمل كل خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية في بلد ما، وقائم على انتقاد نظامه السياسي ومؤسساته القائمة ونخبه المجتمعية ووسائل إعلامه.

ولذلك فإن الخطاب “الشعبوي” -الذي يتسم بالتبسيط الشديد لقضايا مجتمعية معقدة- يحمله عادة سياسيون يحظون بكاريزما، ويبحثون عن دعم شعبي مباشر بتحديهم المؤسسات التقليدية الديمقراطية في بلدهم، فيتلاعبون بعواطف الناس وأفكارهم لغايات سياسية، ويعتبرون أنفسهم هم الصوت الوطني الأصيل وممثلي المواطنين العاديين أو من يسمونهم “الطبقات المنسية”.
وهم بذلك يوصفون بأنهم ذوو نزعة في التفكير السياسي رافضة لفكرة التنوع المجتمعي ومؤمنة بالتعارض بين الشعب والنخب، وجانحة للغوغائية والفوضوية المتوسلة بمحورية دور “الشعب” -الذي يختلف مفهومه ما بين حركة “شعبوية” وأخرى- في الممارسة السياسية، والقائمة علي التوظيف السياسي لمشاعر الغضب عند عامة الناس خاصة في أوقات الكوارث والأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية.

ومع أن “الشعبوية” ارتبطت أصلا في نشأتها بأوساط التيارات اليسارية فإنها أصبحت أيضا تغزو اليمين واليسار الليبرالي الذي صار يشكل أكبر كتلة سياسية بالغرب، وربما توجد في صفوفهما بصورة تفوق أحيانا وجودها في اليسار خاصة في أوروبا.
وغالبا ما يُستخدم مصطلح “الشعبوية” للتنديد بآراء متبني خطابها ومواقفهم وتوجهاتهم السياسية “المقدسة للشعب” والمناهضة للتنظيم السياسي والاجتماعي.
ونحن أن دققنا في ميزات الخطاب الشعبوي فسنراه خطابا مشتركا بين جميع التيارات السياسية التونسية يمينها و يسارها . الجميع يخاطب الشعب بلغة تغلب عليها العاطفة و تهدف لاثارة الحماس و الجميع يتبنى المطالب الشعبوية غير مقدرين المقدرة الحقيقية للبلاد مما جعلهم يدهلون خانة الكذب الذي ادى إلى اعتبار جميع السياسيين كاذبون و فقدوا الثقة . ة فقدان الثقة في السياسيين ادى إلى فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها .
و من المظاهر الخطيرة التي انتجتها الشعبوية التونسية التي هي محاولة الاستقطاب حيث يعمد السياسي إلى جلب ما اطلق عليه التوحيدي لفطة “الرعاع ” وجعلهم في الصفوف الامامية و في القيادات الحزبية المحلية و الجهوية بدعوى أن هؤلاء يمثلون الجماهير و هم ماكينات استقطاب جماهيري و تعبئة حزبية و هو ما اثار حفيظة بعض الشبان الذين يمكن نعتهم بالهامشيين ليتقدموا للعمل السياسي بمقولات لا علمية تطغى عليها الدغمائية و فرضوا على الساسة تبنيها و بات الفعل السياسي لا يتحكم به الخاصة و انما العامة و بات الانخراط في السياسة في وجه منه انخراط في الجهل و التصحر الفكري . حتى بات المشهد مقرفا ومضحكا لا يقدم بدائل سوى العزوف منه ومن متعاطيه . وبات ما اطلقه التوحيدي على العامة الجاهلة ينطبق على النحب السياسية الشعبوية ” هؤلاء كلاب عاوية و سباع ضارية و وحوش فاتكة و طلب الرفعة بينهم ضعة و التشبه بهم نقيصة ” .
عبدالله القاسمي

عن abdallah

شاهد أيضاً

أردوغان يتبرع براتب 7 أشهر لمكافحة كورونا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الإثنين، إطلاق حملة تبرعات وطنية لدعم متضرري فيروس كورونا، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *