الرئيسية / ثقافة / دراسة نقدية لقصيدة الشاعر محمد سرور بقلمي رشا السيد أحمد

دراسة نقدية لقصيدة الشاعر محمد سرور بقلمي رشا السيد أحمد


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276

لا تقلْ للقيدِ كفى

أيرضيكَ أن تمشي حافياً
على رمضاء الفاقة …
أيرضيكَ أن يرنِّمَ الشوكُ أنّاتِك ؟
تلك عادةُ الأحرار … فاجتنبْها
لا تقلْ كفى
إن أكثرَ الخلقِ ولعاً بالعبوديَّةِ
العبيد …
يشتهونَ الحياة في قفص
نكاية بالعصافير …
لا تنادي على الخلاّن
ما أبعدهم
مع الجلاّدِ تواطأوا …
على جلودهم
على معاصمِهم وشفاهِهم
يُحكى أنهم … صفّقوا للسلاسل .
خوفاً عليّ
لن أوقظ شيخَ القبيلة
سادعُه ينام … طويلا ينام
ملءَ عيون القبائل .
كنت … ذات حياة
حين ترتابُ من القنديل وحدتي
والعتمة
تشمخُ في تباريح الصمت
أتدثَّرُ غفوةَ الرمح …
في كبدِ الحجر .
حين يؤجِّل العناق مرثيَّة التراب
والندى
يغفو على ثغرِ ندمي
أوقظ لهفي المكتوم في عنق النزوة .
كانت بي
ذاكرة المحاريث
أسرارُ غدِ السّنابل
حدقاتُ البذار … والسؤالُ الأحب لديّ …
عن جمالين :
الرغيفِ والقمر …
***
طالما سألت عن الحب
عن الليل المخضَّب بسمرةِ ندمي
عن الوقت الذي يأبى مغادرة الشوق
كان السَّهَر يومها …
ملهاة لعبثِ الظلّ .
لا تقلْ للقيد كفى …
ذات حياة … كنت
أشتهي أن أطعم الريح … جبيني
وأغتسلَ من شرانق العتاب
أن أقيمَ مآدب الكرى
علني أتجلى في أبدية العرافين .

كالطود … كنت أسعى
خالياً من روائح الخيانات
من الذين يشونَ على جلودهم
وقبل أن تداهمَني الهزيمة
خوفاً على اليمام …
طيَّرتُ كفي .

ما أكثرَ الذين يشتهون السياط
طمعاً برضا سادتِهم …
يصوِّبونها على قلوبهم
ثمَّ … يرحلون غرباء .

تعال يا المخذولُ مثلي
تعالَ … نقشِّر وجوهَنا
نتعرَّفُ على جلودنا الأخرى
على ملامحِنا الأخرى
تعالَ … نقشِّر أصواتَنا
خطوَنا … وابتساماتِنا
هل نجرؤ ؟
ألا تخافُ مثلي أن نسألهم :
وجوهُ مَنْ هذه ؟

لا تقلْ للقيدِ كفى
بل غنِّ إلى أن يتعبَ الحاجز
يتعرّى من أشواكه … كلها
ثمَّ اعبرْ …

لا تقلْ كفى …
في زوايا السكون أراني
في أحلام العقيق
أراني
مرآة هاربة … من عتمتِها
عكّاز تائهة … وبقايا طريق .

لأنه الفخُّ … الكاملُ الجميل
سيِّدُ العبيدِ المدلَّل
لأنه المُوشّى بالخبزِ … وبالخنوع
لا تقلْ للقيدِ كفى .

الشاعر محمد سرور
شاعر تترنم روحه الكلمات , من العمق قبل أن تتربع على شفتيه , شاعر فيه روح الشعر تعلو بالشعرية
الغردة بشكل انسيابي , حتى تلمس منا الدواخل وتهزنا بعنف
فنص لا يهزنا , ليس شعرا إنما نضدا من كلمات
فالشعر . أعلى المراتب اللغوية والحسية , متضافرة مع بعضها البعض . لذا دعوه فجر اللغة
ندخل نص القصيدة من بابها الواسع

” لا تقل للقيد كفى ”
وهي العتبة الشعرية الأولى للقصيدة , والتي تعطي الانطباع الأول لدى المتلقي وتعتبر الحجر اللازوردي الذي يزين عنق القصيدة و يختصرها
وهنا وجه الشاعر , صرخة عارمة لا تقل للقيد كفى
فلا يكفي أن نقول كفى للقيد بل , يريد ثورة عارمة , تكسر القيد وتعيد الذات المسروقة , والكرامة المسحوقة

أيرضيكَ أن تمشي حافياً
على رمضاء الفاقة …
أيرضيكَ أن يرنِّمَ الشوكُ أنّاتِك ؟
تلك عادةُ الأحرار … فاجتنبْها
لا تقلْ كفى

إن أكثرَ الخلقِ ولعاً بالعبوديَّةِ
العبيد …
يشتهونَ الحياة في قفص
نكاية بالعصافير …
بدأ المقطع بسؤاله ” أيرضيك ”

سؤال الواثق بالإجابة والعالم بمكنون الذات
بداية المقطع تقول
أيرضيكَ أن تمشي حافياً
على رمضاء الفاقة …
أيرضيكَ أن يرنِّمَ الشوكُ أنّاتِك ؟
تلك عادةُ الأحرار … فاجتنبْها

لا تقلْ كفى
صورة
لا أبشع من السير فوق الرمضاء , فما بالك لو كانت رمضاء العوز والفاقة
* صورة حداثية

استخدمت المعنى المعتاد , في رسم لوحة شعرية جديدة
وتابع وقال يرنم الشوك أناتك
أنه الألم الذي يكتسحنا من الداخل من العمق
وكأنه يقول أعلمت به يا ذاك ما نقاسيه ؟ يستمر حتى نهاية المقطع الأول .. فيأتي الجواب كاسحاً ” فأجتنبها ”
لا تقل كفى
يصرخ ويقول ” لا تقل كفى ”
كلمة كفى لا تكفيه هنا , يريد ما يزيل القيد وكل أسبابه من واقعنا وأن يستعيد هويته المنهوبة , ويجعل من الظلم معروضاً في متحف التاريخ
هنا قلب المعنى المعتاد , لتشكيل صور حداثية جديدة المعنى والمبنى , استخدمت في رسم لوحة شعرية , وهذا من أهم لبنات القصيدة

* الصورة الحداثية

إن أكثرَ الخلقِ ولعاً بالعبوديَّةِ
العبيد …
يشتهونَ الحياة في قفص
نكاية بالعصافير …

• الصورة هنا غير متكلفة لكنها تضاد صوري , يعطي الصورة القوة الشعرية هناك من يعشق القفص , وهناك من يعشق سماء الحرية , فشتان ما بين ظلمة ونور
وهذه سمة ثانية
* التضاد الصوري في قصيدة النثر

لا تنادي على الخلاّن
ما أبعدهم
مع الجلاّدِ تواطأوا …
على جلودهم
على معاصمِهم وشفاهِهم
يُحكى أنهم … صفّقوا للسلاسل .

هذه الصورة أبكتني ..
كيف حصل يبتدأ المقطع سلسا هادئاً
كأني اقرأ . محمد الماغوط رحمه الله تأتي قفلته قاتلة , وهذه من جماليات قصيدة النثر السلاسة والبلاغة اللغوية والتي تمنح الصور البعد , ليكون أعلى من سقف الشعر في صورته الإعتيادية بكثير
هنا صورة شعرية تقرؤها وكأنك تراها أمامك , انظر للخلان هكذا صاروا اليد اليمنى للطاغية التي تجتث جذورهم ووجودهم وقوتهم وكلمتهم
ويتابع بألم شديد
” يحكى أنهم … توقفه الغصة
” صفقوا للسلاسل ”
أي زمن يتواطأ فيه أبناء الوطن الواحد مع الطاغية على أحبتهم وأخوتهم , لا بل سعيدون بأنهم عبيده
كم هي شاسعة هذه الصورة …..!!!

* السردية الشعرية
استخدم السردية الشعرية هنا , في تناسق جميل وشيق نتابعه مع الشاعر من بداية النص مقطعا مقطعا ً في تسلسل صوري وشعري حتى نهايته , وهي لبنة مميزة من لبن القصيدة النثرية بشكلها الذي يعتمد الهدم ” القصيدة الشكلية ”

خوفاً عليّ
لن أوقظ شيخَ القبيلة
سادعُه ينام … طويلا ينام
ملءَ عيون القبائل .

كنت … ذات حياة
حين ترتابُ من القنديل وحدتي
والعتمة
تشمخُ في تباريح الصمت
أتدثَّرُ غفوةَ الرمح …
في كبدِ الحجر .

* تراكيب الجمل الشعرية
لو نظرنا لتراكيب الجمل في هذا المقطع , لرأينا أنه يتابع السرد للمقطع الذي سبقه ويقول : هو لن يوقظ شيخ القبيلة , رئيس الدولة , فهو يغفو في سراديب مظلمة , والمقطع الثاني يصف ذاته العميقة
حين يقلقه وضع انبلاج قنديل , عطاء يتدافق من أحدهم أو ظلم وقهر سياسي يستبد بالفضاء المحيط
تصمت ذاته ويلفها الحملقة بالكون , وهي تستمع الصمت وهو يختمر لثورة
هنا في هذين المقطعين لو أني نحيت , أي جملة لصار المعنى ناقصاً وتراكيب الجّمل مخلخلاً , ولأحسست فوراً بخطأ حدث
وذاك فقط لأن تراكيبه للجمل أتى قويا , متماسكاً , متناسقاً , ناضجاً في معامله الشعورية , يعرف تماما ما الذي يعتمل داخله , أنها الشعلة التي تضيء داخل الشاعر الناضج الثقيف , لتجعله يتوهج في الوقت المناسب بقصيدة , بعد أن تهتز مشاعره وتشبع أحاسيه من الحدث وتنضج داخله الرؤى , ترتفع خارج الذات قصيدة .

حين يؤجِّل العناق مرثيَّة التراب
والندى
يغفو على ثغرِ ندمي
أوقظ لهفي المكتوم في عنق النزوة .

كانت بي
ذاكرة المحاريث
أسرارُ غدِ السّنابل
حدقاتُ البذار … والسؤالُ الأحب لديّ …
عن جمالين :
الرغيفِ والقمر …

* ـ الموسيقا الشعرية
هذا المقطع ثورة أخرى في القصيدة , موجع أن نرثي الوطن , موجع أن نراه يهدم , والندى يسكن القلب لأيام قادمة , هناك فكر يتقد , يعشق كل ما يمت للأرض فقد فكيف ينسى ابن القرية صورة الأرض المحروثة وجمالها وهي تتهيأ لعيون البذار, وغدا السنابل وما فيها من فرح الحصاد ترمزالوطن
كانت دورة الحياة فيه تعتمل لكنها , توقفت غصباً , حتى يصل لجمالين يعشقهما
القمر والرغيف …
أذكرني بمحمود درويش رحمه الله , وبمقارنته بين حبنا للورد وعشقنا للرغيف أكثر , فهو من أسباب الحياة
لكنه الشاعر محمد هنا , ابتكر صورة جديدة القمر ويترمز به للحب والرغيف للحياة , هنا جوهرة المقطع
لو نظرنا للموسيقا الشعرية في هذا النص , مرورا بهذا المقطع وما سبقه وما يليه
لنجد أن أنفاس الشاعر أتت معزوفة واحدة , لا نشعر أن هناك خروجا عن موسيقا النص , بل هي نغمات توالت في كلمات , وشكلت معزوفات الأشطر , ومن ثم المقاطع , لتؤلف جسد القصيدة بنغم رصين بجسد واحد فيه ألم حاد وعزف
ما أحسست أبدا , أني خرجت خارجه ولو حدث لشعرنا بخطأ موسيقي ولكنه هو العازف بالفطرة الشعرية , والمصقولة بالثقافة اللغوية السامقة , فكيف يلحد خارجاً بالنغم
فلكل قصيدة نثرية نغماتها الخاصة , بها من موسيقا داخلية وخارجية
والتي تختلف من قصيدة لأخرى , وهذا ما جعل الفراهيدي , يبتعد عنها ليجمع , الأناغيم المتشابهة , ويدعوها ببحورالشعر
لكني أقول : أن الموسيقا الشعرية هي عوالم شاسعة المدى وما بحور الشعر إلا قطرات منها
*
طالما سألت عن الحب
عن الليل المخضَّب بسمرةِ ندمي
عن الوقت الذي يأبى مغادرة الشوق
كان السَّهَر يومها …
ملهاة لعبثِ الظلّ .

لا تقلْ للقيد كفى …
ذات حياة … كنت
أشتهي أن أطعم الريح … جبيني
وأغتسلَ من شرانق العتاب
أن أقيمَ مآدب الكرى
علني أتجلى في أبدية العرافين .

كالطود … كنت أسعى
خالياً من روائح الخيانات
من الذين يشونَ على جلودهم
وقبل أن تداهمَني الهزيمة
خوفاً على اليمام …
طيَّرتُ كفي .

* قلب المعاني ومقاطع النص
هذه كانت حال الشاعر حب وندى وسهر يطاول , أسرار العارفين قفلة للمقطع جميلة للغاية
وفي المقطع الذي يليه لا عيون تخون ولا هزائم تستف تراب الأرض , ولا أوطان تهزم ذاتَها بذاتِها
ولكن الآن قبل أن يصير الوطن بحر من التعسف
والظلم كحلاً لعيون أوطاننا , قبل أن تزحف القرمزية الجائرة وتلتهم كل الزرع
قبل ذلك كله ماذا فعل طير كفه

” خوفاً على اليمام …
طيَّرتُ كفي ”

هنا قلب للمعنى المعتاد , وقلب لتراكيب الجمل الأعتيادية , ماديا ومعنويا ً , وهذا يعطي مسافات شاسعة للنص أن ثقافة الشاعر وسعته الأدبية تتجلى بوضوح بعمق دلالاته , وبلاغته التي جاءت سهلا ممتنعا في بداية كل مقطع مثال قال :ذات حياة / كالطود أسعى “, لتنتهي بقفلة داهشة , صادمة , صوريا , ولغويا وحسياً فبدل أن يقول: طيرت اليمام
قال : ” طيرت كفي ” , لتجيء القفلة باذخة الروعة

* من الضروري جداً للقصيدة النثرية , أن نضع الفواصل الزمنية المناسبة , وأن نعي كيفية وضعها .

يستمر الشاعر بانسيابيته الشيقة والداهشة , فقد جعل في نهاية كل مقطع , قفلة تتفتق عن جمالية صادمة حتى وصل لمقتل القصيدة , وهي قفلتها تترمز ” بسيد العبيد المدلل شيخ القبيلة , من بيده سلطة البلاد والعباد ,
والرسالة : أنت أيها الحر,لا تقل للقيد كفى
بل كن ثورة تستأصل الطغيان من جذوره , لقد قفل القصيدة بنفس المبتدأ ( لا تقل للقيد كفى )
وهي القفلة المدورة والمحكمة الإغلاق
هذا مثال للقصيدة النثرية برمزياتها بشعريتها الصادمة , والتي تهزنا من الداخل
فقصيدة شعرية …. لا تحرك فينا ساكنا , ليست بقصيدة الشعر ما يحدث فرقاً , يحدث فينا أحاسيسا مختلفة
يوقظنا , يصدمنا , يحملنا معه , فوق فضاءات أكوان أخرى , يفتح عيوننا على عمق العالم . قلب الشاعر كبركان , يغلي وغير ذلك فلا

الشاعر الكبير محمد سرور ..
في داخلك أزهار شعرية , بالفطرة صقلتها الثقافة والفكر الناضج فأنتجت جمالاً مغايراً
لتبقى نبعاً فواراً من العطاء. سررت أني كنت داخل القصيدة تقديري الكبير .

عن abdallah

شاهد أيضاً

في حينا القبلي للشاعرة التونسية نزهة المثلوثي


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276
في حينا القبلي في حينا القبلي حب هادئ أنسام عرفان ..ولا أكدار * نارنجنا يسبي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *