الرئيسية / ثقافة / يا للغربة التي تحتل الكائن للشاعر العماني زهران القاسمي

يا للغربة التي تحتل الكائن للشاعر العماني زهران القاسمي

أنا هناك الآن
أتصفح سيرتي في رمل الوادي
وأسرق تعويبات الرعاة
أنا هناك
حافلا بهدير السيول الجارفة
أحمل جسدي مثل أم تحمل طفلها
إلى الماء فتحممه
أحمله غصنا من شجر الأراك
لأغوي غزالا شاردا
أنا هناك
يتدفق ولعي كأنه ظل بارد
في هاجرة صيفية
هناك يستكين الغزال ويغمض جفنيه
أنا هناك الآن
لا سيرتي اكتملت
ولا الغزال آنسني.
*
وحيد يا قلب
أنا مطر يسقط على أرض سبخة
بركان خامد تحت بحيرة
سمكة قرش هرمة
وحدتي ترعى في سجنها الذكريات
تقتات على الصور
وأنا في وحدتي مثل غراب أبيض
وسط قبيلة من غربان سوداء.
*
أغرق في عين الكلام
تغرق الساعات معي
تغرق أرواح من سافروا في وحدتهم
مشائين منكسي رؤوسهم
تغرق أصوات النسور التي تترقب وجبتها
أراها هناك على القمم وقد غرقت في الانتظار
يغرق الطين في يد الخالق
يتشكل طينا جديدا ليغرق مرة أخرى
في بحيرة آسنة
تغرق الأمكنة في نسيان طارقيها
يغرق القلب في من يحب
ويغرق محبوبه في ذاته تارة وفي حيرة الحبيب تارة
أغرق وعين الكلام بلا قعر
بلا صفصافة على ضفافها تحمل المعاني
لعشاق الليل الذين غرقوا في علاقاتهم
مع النجوم البعيدة
تغرق السماء من فوقي بدموع كائنات منقرضة
والهواء يغرق في هوائه
والماء في مائه
وعين الكلام تتسع ليغرق فيها الكلام
والكلام يركض في غرقه حتى الأعماق السحيقة.
أغرق في عين الكلام
لا الحرف ينقذني الآن
ولا النقاط التي تبعثرت ستكون لي سلما
أغرق
فلا يدركني صمت
ولا يحتويني قرار
*
أيها الغاضب من اتساع الحقول
من عواء الزمن بالقرب من خطاك
من تساقط شجرة البيت ورقة ورقة
من خذلاناتك وهي تتحول إلى كائنات
تستجدي في الطرقات

من الأيادي التي كُفّت
والأبواب التي أغلقت
أيها الغاضب من جذوة الحب وهي تنطفيء
في قلبه
هب دمك للينابيع
واترك أغنياتك للفراشات والعاشقات الخائبات
فاهدأ قليلاً
ريثما تمر القافلة بالذاهبين إلى السكون
وتعلق بها
ثم اذهب إلى صمتك
*
ليس قلبي هذا الذي يمشي على حافة النهر
إنه رجل مُسنّ يحمل قوت أرانب عمياء
تعيش في جحر بأطراف الغابة
إنه ذلك المُسنّ باحثا عنها خلف باب أُغلق منذ سنين
يخفق بشدة
كلما هوت عليه ريح
إنه القوت المتناثر في الوحل
في انتظار أرانب عمياء وجائعة
ليس قلبي
لكنه شهقة الروح
في صرير الباب الموصد.
*
أيها الشوق
يا مسمارا مغروزا في الجبين
يا وله فردة الحذاء لأختها
أنين حلقة الباب للقفل
فرحة الغريب برنة هاتفه الخطأ
مواءا مشروخا في وحشة الليل
أيها الشوق المحنيّ بجذعه
على ظل سحابة تغطي القلب.
*
لتهطل كما لو كنت قطعة قماش مبلولة
كما دموع النوافير وهي تبكي وحدتها
في الميادين العامة
أو كما قطرات الندى صباحا حين تتساقط
من عيون الورد
فلقد يعطش بك الطريق
وتتهافت حولك الخطى
أنت وحدك خطيئة الهطول
كلما استيقظت وفي جانبك روائح لحيوانات برّية
*
وأنت تسافر
خذ معك طعم القهوة
ملامح طفولتك
أصدقاءك وأحبابك
وألوان الذكريات الكثيرة
خذ رزمة أحلامك
لعلها تنبت هناك بعيدا
ثم اترك كل شيء قبل أن تعبر الحدود
وأخرج عاريا وهاربا
فإذا لم تستطع الوصول إلى وجهتك
فابحث عن غابة موحشة يتصاعد منها الدخان
هناك ستجد قلبك متربصا بك
مثل ثعلب
فلا تكترث
دعه يقفز عليك ويفترسك كما لو كنت
قطعة من الجبن
قديمة وشهية.

عن abdallah

شاهد أيضاً

التحية العسكرية الأخيرة:المهدي عثمان

التحية العسكرية الأخيرة   يَمشي كحصان أُحيل على شَرَف الخِدْمة كان يَجُرّ ذاكرته الملأى بعربات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *