الرئيسية / ثقافة / مدارات القصّ في ” المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده ” للقاص مراد الحجري – بقلم: » مراد ساسي«

مدارات القصّ في ” المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده ” للقاص مراد الحجري – بقلم: » مراد ساسي«

المقدمة :تحاول هده

Advertisement
القراءة أن تسبر أغوار القصّ في المجموعة القصصية ” المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده” و لكنّه سبر يمرّ حتما عبر التّساؤل و التّسآل الملح أسئلة نعدّها إشارات تحرّك في تضاريس النّصوص بهذه المجموعة القصصيّة و من تلك الأسئلة: من أين تتأتّى المتعة الّتي يثيرها فينا نصّ قصصيّ ما وتدفعنا إلى إعادة قراءته وعدم نسيانه؟ هل هي فكرة النّصّ أم آلية بنائه أم سلاسة سرده أم كلّ ذلك مجتمعا؟ ما خبايا ومنعرجات الوصول إلى تلك المتعة الجماليّة في القصّة القصيرة وما الموانع الّتي تحول دون ذلك؟
-1 في غرابة المتخيّل: ” المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده” يقحمك العنوان منذ الوهلة الأولى في حيرة وفرادة وطرافة ودعابة وسخرية إذ نُلفي تمازجا بين الرّمزي المغرق والتّاريخي المقدّس وهو يشي بعوالم غريبة ومناخات عديدة… يبدو عالم صاحب المنجز ومداراته من خلال أثره عالما متشظّيا ينفتح على مظاهر من واقع حياة النّاس … إنّه عالم خليط من الإيمان بالأسطورة والخرافات إلى انقلاب القيم أو الاستسلام للرّاهن البائس وتغوّل المال ( نقد الرأسمالية المجحفة ) أو الفقر والخصاصة … وهو يراه نوعا من الموت الحتميّ البطيء كما هو الشّأن للأستاذ فؤاد في أقصوصة “مكافأة ما بعد الموت”: ” توفّي الأستاذ فؤاد دون أن تتحقّق أحلامه وتتجسّد أمانيه…ودّع الحياة دون أن يستطيع إتمام بناء منزله ويستخلص ديونا قديمة كثيرة ويشتري سيّارة جديدة “(ص78) …ضعف الطّالب والمطلوب وقد طلبه الموت حثيثا وقس ذلك على النّاس في زمن رماديّ يحاصرهم بشدّة ومتّحد مع الموت ويسلبهم حياتهم وهو في حدّ ذاته نقد مبطّن لما آل إليه النّاس من قطعان في نظام فاسد لا يأبه بمواطنيه بل رعايا …جثثا متنقّلة وهو لعمري قمّة الغبن وإفلاس القيم واستلاب الفرد حدّ الضياع فكأنّنا أمام “غيبوبة جماعيّة”. تستبطن نصوص هذه المجموعة القصصيّة وعيا تاريخيّا حادّا ووجدانا منفتحا على ما يدور ويعتمل حولها . فتطالعنا قضايا شائكة تتّصل بالإنسان في منظومة قيمه وأسلوب حياته … قضايا مألوفة حينا، منتقدة حينا ثانيا ، مؤلمة ساخرة حينا ثالثا . فلا غرابة أن تستثمر هذه النّصوص السّخرية السّوداء في بعض الأحيان كما في أقصوصة ” سور المقبرة” الّتي يقول فيها صاحب “المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده”: ” بناء سور للمقبرة خسارة للمال ومضيعة للوقت ….ثمّ أنّي يا أولاد الــ…. لم اسمع في يوم من الأيّام بميّت اشتكى من ضجيج الصّبيان أو أقلقته رائحة الخمور أو أيقظته آهات المومسات” (ص82)…وتتواصل السّخرية المقيتة والتهكّم الفاضح ” ولكنّي اقسم بالله العظيم وأعاهدكم أمامه إذا هرب أحد الأموات أو اشتكى من أيّ شيء فإنّني سأبني السّور من مالي الخاصّ “(ص82)… نلحظ من عنفوان السّخرية الفاحشة الغليظة أنّ المجموعة تعتصم – بعد خيبتها من مجتمعها- بجريانها البائس إلى الأمام إذ لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة هي الاستهزاء بسلوك النّاس والاستخفاف برؤاهم البائسة..
2- التّركيز و التّكثيف و تداخل الأجناس: القصّة القصيرة في تعريفها الأجناسيّ تلجأ إلى تركيز كلّ شيء فيها لتضمن الاتّساع الدّلالي الّذي ستخلّفه لدى قارئها. إنّها تستحضر اللّمحة بكامل عنفوانها وحيويّتها، وفي أوج توهّجها، وتبقي على هذا التّوهّج دون وضع نهاية تخمده،وهذا ما يجعله متأجّجا في نفس القارئ الّذي يستلهم منه الدّلالات الحسيّة أو الفكريّة. ورغم الإشكالات المحيطة بتجنيس هذا النّوع من الأدب الّذي ما إن يفتح الدّارس ملفّه حتّى تثور في وجهه أسئلة المصطلح والتّجنيس والخصوصيّة وتداخل الأنواع والهويّة والأركان والعلاقة بالنّادرة والطّرفة والنّكتة والخبر والمثَل…. على الرّغم من أنّ هذا الفنّ السّرديّ أثبت حضوراً متعاظماً على أرض الواقع، وهي سمة نراها حاضرة في المجموعة المشتغل عليها فنعاين التّركيز والتّكثيف، مع محاولة تطعيم القصّ أو السّرد بالتّخييل والإيغال في عوالمه الفسيحة ومناخاته الكثيرة أو الانزياح إلى ماوراء المتخيّل بكلمات ذات جذور حسيّة لتأكيد جانب المتعة واللّذة، سواء لذّة القراءة أو لذّة الاكتشاف ومثال ذلك هذا المقتطف من أقصوصة ” المتنبي يحتفل بعيد ميلاده ” : “فهذا عمر بن أبي ربيعة انقضّ على مغنّية بوب أمريكيّة شقيّة شهيّة ’ فعضّها من مؤخرتها فبدأت تصيح من حدّة الوجع وشدّة الشّبق …أمّا جميل بن معمر فقد فتنه سحر مطربة عربيّة رقصت أمامه وهي إلى العُري اقرب ما تكون …فخاف من الوشاة والرّقباء فترك المكان ودخل إلى دورة المياه ليخون بثينة مع يديه !!!”…ويتمادى الكاتب “مراد الحجري” في السّخرية اللاّذعة ” وغير بعيد عن المهلهل كان امرؤ القيس يروّج بين صعاليك الشّعراء الكوكايين ويوزّع الهيروين على بشّار بن برد وأبي العلاء المعرّي وعلي الحصري القيروانيّ بعد أن أقنعهم بأنّ الكوكايين والهيروين نبيذ الرّوح الّذي سيجعلهم يخلعون كفن ظلام العيون ويبصرون شمعة الحياة المحترقة ” (ص59- 60 ). ويواصل قائلا وهو يستحضر من ماضي التّاريخ شخصية ارتبط اسمها ارتباطا وثيقا بالمتنبّي : “افترش كافور الإخشيدي البلاط وتربّع واضعا أمامه قمقم حاسوبه المحمول …وأخذ يداعب أزراره الصّغيرة بأصابعه الخشنة الغليظة …وأبحر في موقع على شبكة الأنترنات يحتفل بالنّساء العاريات صاحبات النّهود المنتفخة المصطنعة ..والمؤخّرات الكبيرة الثّقيلة فكان يشاهد ببلاهة ويأكل بشراهة الحمّص المقليّ ويصدر تحت عباءته ضراطا شديدا وريحا كريها ” (ص 60-61). ولعلّ ما يسترعي الانتباه أنّ السّارد لا يستعيــن بالوصف لذاتـــه بل للمساهمـــة في نموّ الحدث بوعي ودربة ودراية يعلم ” أنّه لا بــدّ من وحـــدة الزّمن في القصّـــة القصيـــرة حتــّى مع امتداد هذا الزّمــن … لأنّها تتناول فكرة واحدة أو حدثاً واحدا أو شخصيـــة مفردة” وهو ما انتضاه وتألّق فيه لأنّه أتقن ” فنّ غواية النّصّ ” فجمع بين قواميسه اللّغويّة بالفصحى والعاميّة …وهو انتصار لمنبته وتأصيل لجذوره وتكريس لأفكاره المغرقة في المحليّة أحيانا. وقد يكون القصد من ذلك أن يلتصق بالواقع ليعرّيه ويجلده بسياط النّقد والسّخرية اللاّذعة كما في أقصوصة ” المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده ” حيث قام القصّ على شخصية تاريخيّة ذات مرجعيّة حضاريّة وهويّة عربيّة أصيلة وتعود إلى زمن تليد و لكنّها حضرت بحلّة إفرنجيّة لتحتفل بعيد ميلادها في بلد غربيّ ولعلّه هنا وجّه أقصى أنواع النّقد لهويّتنا المسلوبة ونزعتنا التّغريبيّة وهو فضح ضمنيّ لتبعيّتنا المقيتة
3- في توتّر العلاقة بين النّصّ و القارئ: كي تقرأ مدارات ” المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده ” و تندسّ في تلافيفها عليك أن تتسلّح بكلّ الجديّة الممكنة والنّباهة المفترضة لالتقاط كلّ المشاهد الّتي تحيلك على ما تبصره في الرّاهن وما يعتمل في ذاتك وفي ذات اللّحظة عليك أن تستعدّ لصفعات السّخرية ولسعات الدّعابة ومرارة الصّدمة وقساوة التّعابير المنطرِحة من ثِقل المعنى، فالقصّ يُغرق أعماقك ثم يدَعَكَ تتنفّس بضع دقائق هواءً نقيّاً، قبل أن يعود ويقحمك مجدّداً في حياض المعاني و الدّلالات. يتسلّى بك السّارد ،يصدمك دون إضمار ..يغرّر بك فيشركك من حيث تدري أو لا تدري في مجريات أحداث القصّ وكأنّك تشهد مع المدعوّين احتفاليّة المتنبّي بمتعدّد أحداثها ومتنوّع تفاصيلها أو كأنّك أمام شاشة عملاقة كبيرة ..تشاهد فلما يحملك إلى الأقاصي من التّالد المغرق في القِدم إلى الحديث المعاصر بكلّ تقدّمه وفتنته. ولكنّك تكاد تطير من الفرح والنّشوة واللّذة، تُطلق له حرّيته وتغفر له حركاته السّادية تلك مقابل أن تحصل على المتعة المثقلة بالمعاني والرّموز، و يهبك هو ما يستبطنه في داخله الفسيح. فأنت لست مازوشيًّا حين تشعر بالنّشوة ورأسك تحت الماء، أو تخلله من عري الهواء أو تطارح الهوى مع مومسات شقروات بين أيدي كافور الإخشيديّ أو المهلهل ’ أو تغتبط لهسهسة الكؤوس مع أبي نوّاس ونُدمان الشّقاوة … فأنت لم تفكّر من أن تكون في هذه اللّحظة أصلاً هو من أدخلك عالمه ، لأنه وعدك منذ البداية بالغرابة والتّسآل المرّ المذاق والحامض الطّعم كنشوة لا تكتمل وكأنّك فعلا في مسبح الفندق الّذي يقام فيه عيد الميلاد … مسبح يطرح أمامك ملابسات واقعك الرّاهن الّذي انقلبت فيه القيم واندثرت فيه المُثل…وما آلت إليه أمّتنا و أوطاننا وما فقدناه من عزّة وهيبة وكرامة ومكانة …هو يطوح بك بين نشوة قديمة وانتشاء منكسر، فاستحال عنفواننا من خلال شخصية “المتنبّي” – الّتي تختزل القوّة والنّرجسيّة – إلى ظلّ تائه وسيف مهزوم ورمح مكسور … قد تكون الطّريق الأمثل لقول ما يجب قوله، أو بعبارة أخرى قول “ما ليس منه بدّ”. فأسلوب المجموعة القصصيّة يتمثّل في الكتابة بشكل عالق، بطريقة تجعل كلّ شيء عالقاً باللّحظة الّتي “ليس منها بدّ” حيث سيعود الكاتب إليها ليثير فينا اندفاعا مجنونًا نحو إعادة ترتيب الأفكار وإعادة الفهم. كأنّه يختبر الذّاكرة ويمتحنها ويطرد النّسيان ويعاتبه… إنّه يختبر قوّة وضعف إيماننا بالأشياء. فالقاصّ لا يريد أن يترك شيئًا يفلت منه، يجب أن يدمغ كلّ حدث أو مزحة أو شعور وأن يعود له مراراً ليتفحّص فيه ويقلّبه على كافة جوانبه فلا شيء اعتباطيّا رغم أنّ الحياة تبدو لأبطاله اعتباطيّة وساخرة وماكرة رغم شهرتهم ورمزيتهم لدى الجمهور.
4- في تردّد الرّاهن العربي المرير: قد لا نبالغ إذا قلنا أنّه من الطّرافة الّتي تصل إلى حدّ العجب أنّ السّرد جمع “المتنبّي” بشخصيات عالميّة وشعراء من الزّمن القديم والزّمن الحديث من امرئ القيس والمهلهل وأبي نوّاس والبحتري وأبي تمّام وصولا إلى بدر شاكر السّياب وعبد الوهّاب البيّاتي ونازك الملائكة ونزار قبّاني وسعدي يوسف وأدونيس وأعدّ لهم طقوسا كرنفاليّة غربيّة بامتياز والّذي رتّبته مديرة أعماله “اليهوديّة الأصل، روسيّة المولد، بريطانيّة النّشأة، أمريكيّة الطّباع،فرنسيّة الإقامة” (ص57) … وفي هذا غمز فاتن ووخز مؤلم لما آلت إليه حضارتنا من تراجع وتهالك وتلميح لا يخلو من تصريح للتّهميش الّذي طال العباد والبلاد حتى تغرّبنا وبدت رقابنا تحت إمرة الغُزاة المستعمرين… فالعديد من أقاصيص مجموعة “المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده” تشي برمزيّة متخفيّة حينا ومتجليّة حينا آخر ما حدث للعرب من خيبات متتالية ونكسات متعاقبة وتشير إلى ما وصل إليه الحال من تقهقر حضاريّ رهيب كبير إلى حدّ غياب الأصالة وذوبان الهويّة والاستسلام إلى مقصلة التّاريخ ومسلخ الحضارة استسلام العاجز الّذي هيمنت عليه ” العولمة” إلى حدّ الاغتلام والانصهار فيها دون مقاومة أو محاربة. ولعلّ المجموعة القصصيّة الّتي محور مقاربتنا أرادت بمنتهى التّماهي المفرط في الفكاهة والانغماس بقارئها في عوالم الضّحك والسّخرية والعبثيّة أن يقلّب بالنّصوص تجارب أبطاله على كلّ أوجهها ويعطيك الأمل في الفهم، إلاّ أنّه سرعان ما تشعر بالخيبة المرّة الفجّة عندما تعلم مصير أبطال هذه الأقاصيص، فكأنّ صاحب هذه المجموعة يُحيي فيك أراجيح الذّاكرة ثمّ يربكك بخيبة الأمل توقّعا ومآلا ولكن هل تفهم في نهاية المطاف ما يريد أن يمليه عليك؟ في الغالب لا، فالقاصّ الّذي يحاول أن يفهم مع قارئه جوانب الحياة من خلال تجارب أبطاله يقول لنا بسخرية في ختام كلّ حدث : “إنّ القصّ هو روح التّعقيد”، فكلّ أقاصيص المجموعة تقريبا تقول للقارئ بتهكّم وتندّر:” إنّ الأشياء أكثر تعقيداً ممّا تظنّ”.
على سبيل الخاتمة: يعتبر “مراد الحجري” من أولئك الّذين تشكّل قصصهم ميدان استئناس واختبار وتطبيق بما لما له من مخزون مشترك مع روّاد القصّة القصيرة كــ”علي الدّوعاجي”، و”رضوان الكوني” و”عزالدّين المدني” و”أحمد ممّو” و”إبراهيم الدّرغوثي” و”صالح الدّمس” و”رضا بن صالح” …من تونس أو من خارجها من قبيل “محمود تيمور” و”يوسف إدريس”،و”إدوارد الخرّاط”و”إبراهيم أصلان”و”حيدر حيدر”و”مروان المصري”.. وغيرهم…. وقد استطاعت هذه المجموعة أن تراوح بين “الإمتاع والمؤانسة” وجمعت بين الدّعابة والسّخرية والصّدمة بقوّة مقصودة ساعية إلى أن تأسر القارئ وتدعوه للاستمتاع الباذخ والمثير وتغريه في ذات الوقت بالتّمحيص في أبعاد هذا المنجز النّصيّ البكر
… الهوامش: 1- “المتنبّي يحتفل بعيد ميلاده”، مراد الحجري، مجمع الأطرش للكتاب المختصّ، تونس، ط1،2009
ــ “مراد ساسي”: شاعر و ناقد.

عن abdallah

شاهد أيضاً

في حينا القبلي للشاعرة التونسية نزهة المثلوثي


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276
في حينا القبلي في حينا القبلي حب هادئ أنسام عرفان ..ولا أكدار * نارنجنا يسبي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *