الرئيسية / ثقافة / مِنْ أجْلِكِ يَا قُدْسُ نَضَبَتْ فى مَآقِينَا كُلُّ العَبَرَات! *مدريد – د. محمّد محمّد الخطّابي

مِنْ أجْلِكِ يَا قُدْسُ نَضَبَتْ فى مَآقِينَا كُلُّ العَبَرَات! *مدريد – د. محمّد محمّد الخطّابي

Advertisement
على هامش القرار المُجْحف والإعتراف الأَرْعَن
بعد الإعتراف المُجحف،والقرارالأرعن من طرف الدّولة التي تُنعتُ بالعظمى ، لا يهمّ فلكلِّ شئٍ إذا ما تمّ نقصانُ / فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ ..! أنظارنا بعد الفاجعة ما إنفكّت تتّجه فى هلعٍ بدون إنقطاع نحو مدينة السّلام التي طُعن فيها السّلام ، حاضرة القدس الشّريف الفيحاء ..هذا ليس بالأمر الغريب إنّه يترىَ نصبَ أعيننا على إمتداد عقود بعيدة خلت عشناها على مضض، إعتدنا خلالها على مشاهدة كلّ أصناف المآسي الفظيعة، والأحداث البَشِعَة، والجرائم الوحشيّة النّكراء، والمظالم اللاّإنسانية المُزْرية ، وكلّ أشكال التقتيل، والتنكيل ،والتطاول ، والتجاوز،والتظلّم، والهدم والرّدم، والأعمال الإجرامية الآثمة،والإعتداءات الظالمة ، التي عاشتها وما بَرِحَتْ تعيشها فلسطين الجريحة.. تراجيديات مُؤسفة، ومآسٍ مؤلمة ما فتئنا نتفرّج عليها من بعيد، ويتفرّج معنا العالم عليها فى ذهول ،وتوتّر، وإرتباك، والتي يُنْدَى لها جبين البشرية جمعاء…
بعد الذي حدث ،وما أفظعَ وأفدحَ ما حدث..لم يعد لدينا ما نكتبه، لم يعد لدينا ما نقوله ، لم يعد لدينا ما ننظمه،كلٌّ منّا ينظر، ويحدّق فى الآخرفى شدوه وإندهاش، وتراخٍ وخمولٍ،وفى غُصّةٍ،وحُرقة، وحَسرة، وأمسى يعلو محيّانا السؤال ، تلو السؤال ..ما الذي حَدَث..؟ ما الذي يَحْدُث..؟ماذا أصَابنا..؟ ماذا دهانا…؟ تبعثرتْ أوراقنا، وتعثّرتْ خُطانا، وتلعثمتْ ألسنتنا، وزاغتْ أعيننا، وتاهتْ عقولنا، وزلّتْ أقدامنا، وضاعتْ بَوْصَلتنا، وهبّتْ الرياحُ العاتية، وجاءتْ بما لا تشتهيه سفننا المشروخة، فأمْسَيْنَا نبحر ضدّ التيّار، تُلاطمنا الأمواجُ العالية، وتهدّنا اللّججُ المُزْبدة ،ضللنا مسالكَ الطريق ، وخَبَا فى أحداق أعيننا شعاعُ البَرِيق،وشبّت فى سويداء قلوبنا نارالحَرِيق،تلو الحريق، وجفّ اليراع بين أناملنا ، وإنكسر الجَلَمُ بين أصابعنا ، إستنفذنا الكلمات ،ونضبتْ فى مآقينا كلّ العَبَرَات، بُحّتْ حَنَاجِرُنا، وذَبُلتْ محاجرُنا، وقُضّتْ مَضَاجِعُنا، وإحتدّتْ مواجعنا، وتفاقمتْ آلامُنا، وتَضَاعَفَتْ مُعَاناتُنا.
أعداؤنا يعملون في صَمْت رهيب، بلا صياح، بلا نواح ، بلا بهرجة، بدون تهديد،أوتنديد،أووعيد ،يوجّهون لنا الضّربات ،ويسدّدون لنا أشدّ اللطمات، ويكيلون لنا اللّكمات الواحدة تِلْوَ الأخرى فنرفع أكفّنا للسّماء ضارعين،قانتين، راجين الإنتقامَ من القَوْم الظالمين .

لقد أصَابَ مَنطِقَنا البِلىَ،كَمْ بكينَا، وإنتحبنا ، وشكّل ذلك فرصاً سانحة لإثراء أغراض الرِّثاء ،والزهو، والفخار، بالأبطال الأشاوس الأبرار الذين سقطوا ، والشّهداء الصّناديد الأخيار الذين أسلموا الروّح لباريها فى ساحة الوَغَى، وفى الخَنْادِق، والأُخاديد، وفى البيوت، والمداشر، والمَشاْفِى، والحقول، والأكواخ، والمَصانَع، والمَعامل، والمدارس، والدكاكين،وفى قمم الجبال،وفى سُفوح الهِضاب، وفى منخفضات السّهول، وفى عَرْض البحار، شهداء أبرارمن شيوخ، وأطفال وبنات،وصبايا وصبيان، ورجال ونساء،وآباء وأمّهات، وثكالى، ويتامى، كلّهم أعطوا النفسَ والنفيسَ، وسقطوا تحت رُصَاصَات الغدر، ومدافع الخيانة،وأنفاط الدّمار،وسموم الغازات،والأسلحة الخَرْدَليّة، والغازات السامّة، داخل الأراضي الطاهرة المنكوبة ها هم ما فتئوا يسقطون إلى اليوم من جديد، والصّمت مُشَاع، والسّكوت مُطبِق فى الشقيقات، وفى الجارات المرعوبة ، وما إنفكّت ألسنةُ اللّهب تتصاعد، وأعمدةُ الدّخان تتعالىَ، وأخرى تتهاوى بفعل التقادم، والتشرذم، وعوامل التعرية، والتَحَاتّ في التضاريس البشريّة ، تآكلاً، وتواكلاً، وتخاذلاً، وإنبهاراً.
إننا لم نشأ أن نقتنع بأنّ المسألة مسألة بقاء أو لا بقاء ،ليس غير، فلا أحدَ فينا، أو مناّ، أو بيننا يحرّك ساكناً، إنهم فقط يذرفون الدموعَ حَرّى ساخنة، وينزوُون بأنفسهم “الشاعرة” الملتاعة ليَنْظِمُوا لنا كلماتٍ ، وعباراتٍ،وآهاتٍ مشحونةً بالحِقد، والكراهية، والغضب،والمَقت، والإنتقام، والوَعْد والوعيد، والتنديد، والتهديد …
وتمرّالأيام، وتنقضي الليالى وفي رحمها، وفى خِضَمّها تتولّد، وتستجدّ الأحداث، وننسى،أو نتناسى ما فات، الأبطال يستشهدون الواحد تِلْوَ الآخر، زرافاتٍ ووحداناً ،فيشاطرنا العالم طوراً أحزاننا، وأطواراً يجافينا. و تنثال، بل تنهال علينا سيلٌ من برقيات ورسائل التهديد والوعيد، والشّجب، والإحتجاج والمواساة، والعزاء،والأسى، والسّلوان ..وهذا حَسْبُنَا.
ما أكثرَ لوحات الشّرف التي نزهو بها،ونتملّى ببريقها، وتَغُصّ بها دورُنا وقصورُنا وبيوتاتُنا ، وما أكثرَ النياشين، والأوسمة،والميداليات التي تعلو صدورنا ،و ما أكثر ما نعود إلي تاريخنا التليد لنخبّئ فى طيّاته وثناياه رؤوسنا كالنّعامات، وما زلنا نستلهم منه الدروسَ، والعِبَر،والحِكَمَ، ونَستشفّ منه معنويات جديدة لإستئناف مسيرتنا.
إننا قومٌ رحماءُ بغيرنا ، وإن كانت بنا غِلْظَةٌ وفَظاظة،مشهودٌ لنا، ومشهورون بالصَّفْح والتّسَامح، وإن كانت بنا أَثَرَةُ وكبرياء ، مع ذلك، إننا قَوْمٌ رؤفاء، ورحماء بالصّغار والكبار،معروفون بهذه الثنائية المُرَكّبة ، فقد تغنّى بها شعراؤُنا ونبغاؤُنا: “فَنَحْنُ قَوْمٌ تُذِيبُنَا الأَعْيُنُ النّجْلُ / عَلَى أنّا نذيبُ الحَدِيدَا…طَوْعُ أَيْدِى الغَرَامِ تَقْتادُنَا الغِيدُ / وَنَقتادُ في الطّعانِ الأُسُودَا… وَتَرَانَا يَوْمَ الكَرِيهَةِ أَحْرَاراً / وَفِي السِّلْمِ للغَوَانِي عَبِيدَا…” !
نُحافظ على سُمعتنا حُيَال التاريخ ،أمّا هُمْ فقد شُفطتْ وإقتدّتْ الرّحمةُ من قلوبهم، وكأنّها قلوب صِيغَتْ من فولاذ ،لا يَفْرِقون بين الصّغير والكبير ، إنّهم يَقتُلون، ويُقتّلُون، وينكّلون دون تمييز ،وعزاؤنا الوحيد أنّ التاريخ يسجّل لنا هالاتٍ من “المفاخر” ويسجّل لهم وعليهم قرابين المذابح و”المجازر” والجرائم الدنيئة، ويصوّر أيديهم المخضّبة، وأناملهم الملطخة بدماء الأبرياء من شعب أعزل، برئ، طريد.

إنّنا ما زِلنا نَستذرّ عطفَ العالم ونَستجدى رحمتَه وتضامنَه، ونصف له المآسيَ، والفظائعَ، والأهوالَ التي يرتكبونها في حقّنا…كسباً للقضيّة، أيّ أننا ما زلنا حالمين في تفكيرنا، بينما هم تجاوزوا هذه المرحلة، فآمنوا بالقوّة، والعُنْوَة،والتنكيل، والتقتيل، منذ أنْ وطئتْ أقدامُهم الدنيئةُ مدينة السّلام،ولطّخت أرجلهم أرضَ التعايش، والتسامح، والتساكن، والأمان، كان التاريخ “الغالب” في خدمة مصالحهم، فاستعملوا الدهاءَ والحيلَ، والدسائسَ والخسائسَ، والمكرَ،والمكايدَ، وجعلوا باقي القوى في العالم لصالحهم ، إنهم يفتكون بنا فتكاً في سرعة خاطفة مُذهلة، ويحققون إنتصارات موقوتة، ولكنها ذات أثر بليغ،أمّا نحن ..!
الإستعداد للمعركة الحاسمة، تَسخير كلّ قوى الشّعب العاملة لصالح المعركة،إستغلال كلّ الطاقات، والخبرات، والمؤهّلات من أجل المعركة، خلق أدب مُلتزم جديد يعبّر عن واقعنا المريرإستعداداً للمعركة،النّبش في التُراب،والثّرَى،والتراث خدمةً للمعركة، ترجمة روائع الآداب العالمية مِمّا يتوافق مع الإتجاه الأدبي الرّاهن الذي جعل كلّ همّه مُنصَبّا على المعركة،الأديب والمعركة، الشاعر والمعركة، العامل والمعركة ،الفلاّح والمعركة،السياحة والمعركة، الصناعة والمعركة، البضائع الإستهلاكية والمعركة،الموادّ الغذائية والمعركة… وما زلنا مع ” بيكيت” في إنتظار الذي يأتي ولا يأتي … !
أبناءُ فلسطين يموتون من أجل بلادهم، إنّهم صادقون في حبّهم لها، لذا فهم لا يبخلون بكلّ غالٍ ونفيس من أجل أرضهم الطيبة السليبة،الأشقّاء يكتفون بالتفرّج، والتّحديق،والتصفيق، وكتابة المرثيات، وتتويج فرسان الشّعر،والبيان والتبيين بلغة مؤثّرة، باكية، شاكية، كئيبة، حزينة، مخزية ومذلّة ، وأصبح همّهم الآن هو مَسْح العار ، فَفَوْقَ أراضيهم ما فتئت تَجْثُمُ قوّاتٌ أجنبيةٌ آثمة …”المطلوب الرّجوع إلى خطّ وقف إطلاق النار السّابق ليونيو (حُزَيْرَان) “من مخلّفات النكسة. ولكنهم لا يريدون،يتعنّتون، ويتمنّعون، ويتمسّكون بكلّ شبر غنموه،بل إنهم يزيدون في نشر نفوذهم، وبسط أخطبوطهم ليس على الأرض وحدها بل على العقول والنفوس كذلك، إنّ هدفَهم أكبر ممّا نتصوّر، ولكنّنا نستصغره، ونقلّل من شأنه حتى نبثّ فيهم الغرور فيزدادون غطرسةً وكبرياءَ…
كلّ عربيّ أمْسَى مرسوماً على مُحيّاه وَجْهَ مُوناليزَا الجْيُوكَانْدَا هذه الأيام ، فلا هو بالحزين ولا بالجَذِل، ولا بالباسِم ولا البَاكي ، ربيعه مُزهر ومُزدهر،وصيفُه قائظٌ مُستعر..كلٌ يحملُ همومَه،وثِقْله، وقلقَه، وهواجسَه،وتوجّسَه فوق ظهره ويمضي، سيزيفيّاً أمسى، ولا أحدَ يشعر به وبآلامه ومعاناته إلاّ هو،ولكنّه أقْسَمَ يميناً مغلّظة على ألاّ يتخلّى عن المعركة ، لذا فلا تُبَالُوا، ولا تُشْغِلْكم همومُه وأحزانُه… !
إنّنا قومٌ كُثُر ، والكَثْرةُ قوّة، قال فارس منهم : لا يسألون أخاهم حين يندبهم / في النّائبات إذا قال برهانا… وقال آخر : حُشْدٌ على الحقِّ عَيّافُوا الخَنَا أُنُفٌ / إذَا أَلَمَّتْ بِهِم مَكْرُوهَةٌ صَبَرُوا….و قال آخر : وَأَقْسَمَ المَجْدُ حَقّاً أَلاَّ يُحَالِفُهُم / حَتَّى يُحَالِفَ بَطْنَ الرَّاحَةِ الشَّعَرُ…. وقال آخر: تُعيّرنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا / فَقُلْتُ لَهَا إنَّ الكِرَامَ قَلِيلُ… و بالإضافة لهذه الذخائر، والمفاخرلدينا كذلك الملايين، المالُ والجمال، والأبراجُ الشّاهقة، ولدينا تاريخٌ حافلٌ، وماضٍ تليد ، ومَجْدٌ ضَائع و…ولكنَّ أعوادَنا هَشّة واهية ،لأنّ كلاًّ منها، أو منّا يعمل بمفرده، على الرّغم من أنّ أحدَ حُكمائنا أوْصَانا، وَنَصَحَنَا بأنْ لا نُؤتي هذا الصّنيع،ولكنّا ولّينا لقولته ظهورَنا، وإنطلقنا نتوق نحو بطولات فرديةً، وتمرديةً، دونكيشوتيّة وهمية، الله وحده يعرف مُنتهاها وعَوَاقبَها ، إِعْرِفْ عَدُوَّك ،تَعلّم لغتَه،إقرأ أدبَه، تَحَرّ تاريخَه، تَمَعَّن في غدره ومكره،راجِعْ بروتوكولاته، تَخرّجَ مِنَّا أساتذة ودكاترة، وخبراء ، وأصَدرنا مجلات، ومنشورات، ودوريات، وكتباً ومطبوعات ، في التّعريف بكافّة مظاهر، وخبايا،وخفايا هذا العدوّ…والطاقات العِلْمِيّة،والعَمَليّة التي يتوفر عليها …ولكننا لَمْ نَفِدْ شيئاً يُذكرمنها البتّة … جعجعة لا تُحدث طحينا…!
لقد دخلنا حروباً، ومواجهات، فتورّطنا،كشفنا عن عوْراتنا، وعن مَدَى ضَعْفنا وَوَهَنِنَا وَخِذْلاننا، وَلَزِمَتِ الكآبةُ أَوْجُهَنَا، وَسَكَنَتِ الحَسْرَةُ قلوبَنا، وقهقه الأعداء ، وللنّاس فيما يَفتكون طرائقُ… !
أيُّهَا النَّاس إسْمَعُوا وَعُوا ، العَدُو ّ أمامكم ، والعدوّ خلفكم ، والعدوّ عن يمينكم وعن يساركمْ ، ومن فَوْقِكُمْ ومن تحتكمْ ،فأفيقوا من سُبَاتِكُمْ الطّويل، ولا تقبعوا في دُوركم،فَالحَرْب سِجَالُ، والأيّام دُوَلٌ ،وَيَوْمٌ لَكُمْ ، وَيَوَمٌ عَلَيْكُمْ ،فَلاَ تَجْزَعُوا مِمَّا أَصَابَكُمْ مِنْ رَوْع، وجزع ، وهلع، وَقُرُوح، وَإنِّكُمْ لَمُنْتَصِرُونَ لاَ مَحَالَة بِإِذْنِ الله .

*كاتب،وباحث، ومترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- (كولومبيا) .

عن abdallah

شاهد أيضاً

في حينا القبلي للشاعرة التونسية نزهة المثلوثي


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276
في حينا القبلي في حينا القبلي حب هادئ أنسام عرفان ..ولا أكدار * نارنجنا يسبي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *