الرئيسية / الديار / العربية / مهرجان الفنون الإسلاميّة بالشّارقة في دورته العشرين: الفنّ الإسلاميّ بصفته عابرا للمذاهب:

مهرجان الفنون الإسلاميّة بالشّارقة في دورته العشرين: الفنّ الإسلاميّ بصفته عابرا للمذاهب:


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276

أسمهان الفالح
اِرتأت إدارة الشّؤون الثّقافيّة بدائرة الثّقافة بالشّارقة ضبط اٍستراتيجيّة محكمة تسير على هديها ضمن مهرجان الفنون الإسلاميّة الذّي ينعقد بشكل دوريّ في الإمارة برعاية صاحب السمو الشّيخ الدّكتور سلطان بن محمد القاسمي، و قد بلغ في السّنة الحاليّة نسخته العشرين تحت شعار “أثر”، فقد تمّ تسليط الضّوء عبر عقدين من الزّمن على ما يختزنه الفنّ الإسلاميّ من إرث بصريّ هائل، مع الحرص على ترسيخ دعائم حضوره المؤثّر في المشهد التّشكيلي العالميّ حاضرا و مستقبلا هدف تأسيس ثقافة فنيّة تتعزّز معها الذّائقة الجماليّة للمجتمع، فتتمّ تنمية الحسّ الفنّي لدى الفرد ليدرك مكامن الجماليّات و يكتشف خامات التّعبير الفنّي و كيفيّة تشكيلها، هذا إلى ما يلعبه الفنّ من دور حاسم في تحقيق المصالحة بين الشّعوب ضاربا عرض الحائط بكلّ ما يمكن أن يفرّقها من عرق أو جنس أو لون أو لغة أو دين، فالفنّ يشيع قيم التّسامح و الفهم و القبول للآخر مهما كانت ميولاته أو توجّهاته الايديولوجيّة، و هو حائط صدّ أمام الهجمات الإرهابيّة، فالإبداع شيفرات لا يفهمها المتطرّفون. و الأثر بهذا المعنى يكتسي غير دلالة، فهو شديد الارتباط بالمتلقّي من ناحية و كيفيّة تفاعله مع هذا الزّخم الفنّي الذّي يستفزّ ذهنه و حوّاسه و يدعوه إلى أن يكون طرفا في عمليّة الجدل الواسعة المتشعّبة الأطراف: الباثّ/ الرّسالة/ المتقبّل، فينتهي به الأمر إلى استيعاب رؤى متنوّعة و وجهات نظر متباينة تقصي النّزعة التعصبيّة لديه. و لعلّنا لا نجانب الصّواب إذا اعتبرنا أنّ المقصود بأثر في هذه التّظاهرة الدوليّة من ناحية ثانية ما يترسّب في ذاكرة المبدع الغربيّ من اِنطباع بعد اطلاّعه على الفنون الإسلاميّة و نهله من معينها فيحاول تقديم عمل يحاكي فيه مقوّمات المنجز الكلاسيكيّ و يضيف إليه بعضا من نتاج الجداثة. فيطالعنا المنجز الفنّي في لبوس متميّز يجمع إل التّالد الطّارف، فلا قطع مع الماضي حدّ الانبتات، و لا انغماس في المعاصرة حدّ الإغتراب. لكنّ الأثر بشكل عامّ يبقى رهين الفعل، فإمّا أن يدوم أبدا و يلقي بتداعياته الحقبة تلو الأخرى، و إمّا أن يزول و يمّحي مع نهاية الفعل، و هنا تتحدّد قيمة الأثر الإبداعي إمّا سلبا أو ايجابا.
و من خلال تأمّلنا في بعض الأعمال التّي توزّعت على أماكن عرض متعدّدة (متحف الشّارقة للفنون/ مركز مرايا للفنون/ واجهة المجاز المائيّة/ القصباء/ ساحة الخطّ، و جملة من المعارض الخارجيّة…)
نظرا لكثرتها و تفاوتها من حيث الحجم، إذ بلغت حوالي 1 مشروعا فنيّا، اِسترعى اِنتباهنا ذاك المزج المتقن من قبل فنّانين ينتمون إلى حضارات و ديانات مختلفة، بين مقوّمات الفنّ الإسلاميّ (الزّخرفة بأنواعها: الهندسيّة، الحيوانيّة و النّباتيّة، الفسيفساء، النّحت، العمارة، الخطّ العربيّ..) و خصائص الفنّ الغربيّ المعاصر سيّما فيما يتعلّق بتقنية التّلاعب بالألوان و الضّوء لإكساب العمل طابعا نوعيّا متميزا يحثّنا على التأمّل و التفكّر في دلالاته و مقاصده ناهيك أنّ الفنّ التّشكيلي مثله مثل النصّ الأدبيّ يقدّم لك المفاتيح الأساسيّة لتلج عوالمه دون أن يسلمك نفسه بيسر، و ما عليك سوى التقاط الأساسيّات لفهم ما خفي من أبعاده استنادا إلى جملة من المؤّشرات و الرّموز و هنا تلعب ثقافة المتلّقي دورا هامّا في هذه العمليّة الاستنباطيّة التّأويليّة، و لعلّ مشروع “خفيّ” لأستوديو تقاسيم الذّي يشارك فيه فنّانون من دول مختلفة و هم: مريم بن سيف من الإمارات العربيّة المتّحدة، سانتياغو ريوس من كولومبيا، دانييلا ميد بلانكو من المكسيك و لوسيانا بيمنتل من إسبانيا و كلّهم مختصّون تقريبا في التّصميم و الهندسة المعماريّة، يقف شاهدا على ذلك، فهو و إن بدا لنا منذ الوهلة الأولى عملا فنيّا بسيطا يقوم على دمج أشكال هندسيّة ملوّنة تخضع إلى إضاءة لافتة تلمع إلى الأجواء المعاصرة، إلاّ أنّ التمعّن في عناصره و مكوّناته يتيح لنا إمكانيّة قراءة العمل بأشكال مختلفة في إطار تنقيب متواصل عمّا يبدو متواريا عن الأنظار. و من جهة ثانية يشدّنا عمل الفنّانة التّشكيليّة الألمانيّة “إليسا سترونيك” المتمثّل في تصميم قطعة فنيّة قائمة على النّسيج الخشبيّ و هي تجمع بين القيقب الشّفاف، الأحمر المتحوّل، الأسود المنعكس، إضافة إلى الخشب و القماش، حيث يظهر جليّا تأثّرها بفنّ الزّخرف الإسلاميّ، و محاولة الدّمج بين الأنماط الكلاسيكيّة و الأشكال الهندسيّة المتطوّرة و كيف تتفاعل فيما بينها إذا ما تمّ صهرها مع النّسيج الخشبيّ باعتباره مادّة مبتكرة تجمع بين اللّيونة و الصّلابة في ذات الآن.
و لا شكّ أنّ عمل الفنّان الإسبانيّ ديفيد مورينو المعنون ب (ربط الأبواب) يكتسي طابعا متفرّدا من حيث التّصميم و الأرضيّة التّي ينطلق منها في ذلك، فتأمّله المطوّل في طبيعة العلاقات البشريّة و ما يربطها من وشائج أو ما قد يحول دون التّواصل بين فئة و أخرى لأسباب مختلفة، يكون بمثابة الملهم بالنّسبة إليه، فتتمخّض عنه تجربة جماليّة جوهرها الرّمز و الإيحاء و الضّبابيّة، فالأبواب بشكل عامّ توحي بمعاني الانغلاق و التّقوقع و الانطوائيّة، لكنّا نرى أنّ ديفيد مورينو قد استغلّ هذه النّقطة كي يجعل الأبواب بداية الحوار الفعليّ مع الآخر و ذلك من خلال تجاوز أحاديّة الباب و جعله منفتحا على جهتين مغايرتين: أحدهما يشير إلى المسجد، أمّا الثّاني فيلمح إلى كاتدرائيّة، و لا يخفى ما وراء هذا التّصميم من رسالة إنسانيّة مفادها نبذ التعصّب الدّيني و قبول الآخر على علاّته.

أمّا في مستوى العمارة، فقد أبهرنا المهندس بن جونسون من المملكة المتّحدة بلوحة فنّية تجسّد قبّة الصّخرة في القدس و تحمل عنوان “تأمّلات في فضاء مقدّس”و هي تمثّل نموذجا للعمارة الإسلاميّة لما تنطوي عليه من روعة فنيّة و جماليّة تحكي بصمات الحضارة الإسلاميّة على مرّ العصور، فهذا التّناسق البديع بين عناصرها المعماريّة و الزّخرفيّة، و الخطّ العربيّ الذّي يزين جدرانها أضفى عليها هالة من القدسيّة، فالغرض من اللّوحة ليس التفنّن في البهرج بقدر ماهو بحث عن إشاعة القيم التّي تكتنزها القواعد الأساسيّة للهندسة المقدّسة. .(
هذا و قد سجّل الفنّ التّشكيلي العربيّ حضورا بارزا من خلال جداريّة مجدي الكفراوي و محمد عبد العزيز من مصر و هو مشروع في فنّ الجرافيتي أُطلق عليه اسم تجلّيات. و قد أشار محمد عبد العزيز إلى أسّ هذه التّجربة الثنائيّة بقوله: ” حاولنا من خلال هذه الجداريّة الدّمج بين الخطّ العربيّ و الفنّ التشكيليّ في حالة دمج نوعيّة باعتبار أنّ الحالة التّي قدّمناها ليست الشّكل الكلاسيكيّ أو التّقليديّ للفنّ الإسلاميّ سواء كان زخرفة أو خطّا، بل هي عمليّة تجريد للحالة نفسها تتجسّد فيها روح الأصل و لكنّها لا تخلو من نفس معاصر.”
و اضاف مجدي الكفراوي مميّزا بين الفنّ الجرافيتي و نظيره الجداريّ قائلا: ” كان الجرافيت مرتبطا من فترة ظهوره عند الغرب إلى حدّ السّاعة بتوجيه رسالة معينة من رأي الشّارع إلى جهة ما. أمّا الفنّ الجداريّ فمعروف أنّه فنّ جماليّ مرتبط باسس و أصول ينبغي اتّباعها منها مسافة رؤية المشاهد لها لذلك حرصنا على تنفيذ مشروعنا في مكان مناسب في ساحة القصباء يتيح للمشاهد رؤية الجداريّة من زوايا مختلفة…هذا و تقوم الجداريّة على اِستخدام المفردات الإسلاميّة بشكلها المعروف أو بايماءات بصريّة توحي بوجودها، من خلال استغلال خامات مختلفة متعارف عليها، مثل الأرابيسك و الخيامية و غيرها، في عمل ضخم يجمع بين الجرافيتي و الجداريّ.”
وصفوة القول أنّ جملة الأعمال المعروضة في هذه الدّورة من مهرجان الفنون الإسلاميّة حرصت على تقديم المنجز الفنّي بشكل من المواءمة بين الأصالة و الحداثة في الفنّ
.

عن abdallah

شاهد أيضاً

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: الطريق المؤدي للسلام في ليبيا يمر عبر تركيا


Warning: substr_count(): Empty substring in /home/addiarco/public_html/wp-content/plugins/ads-for-wp/output/functions.php on line 1276
قال رجب طيب أردوغان، على أن الطريق المؤدي للسلام في ليبيا يمر عبر تركيا، فيما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *