الرئيسية / ثقافة / عيون عربيّة ثاقبة—أقصوصة للكاتب : د. رياض جراد – تونس

عيون عربيّة ثاقبة—أقصوصة للكاتب : د. رياض جراد – تونس

يحيى طفل مليح، ذو عيون عربيّة ثاقبة، لا أحد يعلم سنّه بالتّحديد. يقول البعض إنّه رضيع حديث الولادة، ويقول آخرون إنّه قد بلغ الحلم، ويذكر بعض جيرانه أنّه قد ناهز الخامسة أو يكاد، لكنّ الأكيد أنّه كان صاحب عيون عربيّة ثاقبة، وانّه كان مثل كلّ الأطفال يحبّ اللّعب… يراقص الخيالات ويركب خيولا وهميّة، ويخوض معارك هو بطلها المظفّر أبدا… يسابق ّ اقرانه في الحيّ، وإن غابوا يسابق الرّيح فيسبقها … كان مجرّد طفل بعيون عربيّة ثاقبة.
يحيى يحبّ، الغناء ويطرب لذكر قيس وحبّه ليلي العامريّة، ويهلّل لعنترة، يعدّد مآثره، ويذكر بطولاته وملاحمه… كان كملايين الاطفال العرب حالما وبعيون عربيّة ثاقبة…
ليحيى حديقة منزليّة يسقيها، يهذّبها، يشذّبها، يغذّيها، يريدها حديقة عطرة نضرة شاميّة، مزهرة معلّقة بابليّة، يانعة
مونقة فينيقيّة، مخضرّة وارفة أندلسيّة… كان يحبّ الجمال لأنّه طفل بعيون عربّية ثاقبة.
غضب يحيى… إذ لم يستسغ أن يحفر أبوه ملجأ في حديقة المنزل، ويتلف زهوره وشجيراته… ولم يسكن إلّا عندما وعده بأن يعيد زراعتها بعد الحرب، لكنّه تساءل:
– “حرب! ما هي الحرب يا أبت؟”
– “إنّها الفساد والإفساد، إنّها الخراب، يا ولدي.”
– “ولماذا تشنّ الحرب؟ ”

– “لأنّ الشّهوة قد بلغت مداها، ولأنّ القلب هرم، ومات فيه الّشعور، لأنّ الضّمير قد استقال.”…
لم يفهم يحيى ماهيّة الحرب… ولماذا ينهار الإنسان ويروي شهوته بدماء البشر، لكنّه كرهها، وأوجس خيفة منها، فانقبض صدره… لكن عيونه بقيت تعشق الجمال… لأنّها عيون عربيّة ثاقبة.
كان يركض مع الّرفاق قرب منزله حين لمح طائرة تحلّق في سماء حيّه… أخذته الدّهشة الأولى وهو يتأمّل ذلك الجسم الضخم يطلق ألعابا ناريّة باتّجاه المنازل، شماريخها لا تشبه تلك الّتي يبيعها بقّال الحيّ، بقّال يبيع كلّ شيء من النّفط إلى الزّيت، كلّ مواد الحياة وكلّ مواد الحريق، شماريخها مدّمرة مزمجرة تحوّل البيوت إلى ركام.
استفاق من دهشته على صوت أبيه يدعوه ” إلى الملجأ يا يحيى! إلى الملجأ يا ولدي”ركض … ركض ما أمكنه أن يسرع الخطى، على مقربة من ملجئه اخترقت برودة الحديد جسمه الغضّ النّحيل، فزاغت نظرات العيون العربيّة الثّاقبة… كانت شظيّة صاروخ دفن أباه تحت ركام منزلهم. سقط على الأرض، بالكاد يدرك ما حوله.
أجال النّظر، فإذا أترابه أشلاء متطايرة متناثرة في أرجاء الحديقة، لحما طريّ مزّقه الحديد، وأحرقته النّيران ولم تسلم حتّى العيون العربيّة الثّاقبة … بحث عن بقايا حديقته يملّي بصره منها. فلم يظفر إلا بشجيرة خضراء تبرز من خلال أكوام الحجارة والّتراب … جعل جرحه النّازف عند
أصلها يسقيها دمه النقيّ … ارتعدت فرائصه، وتشنّجت عضلات أطرافه، كان النّزيف يستلّ منه شريان الحياة … اختلج، وهو يزفر آخر الأنفاس وأحسّ ببرودة تسري في جسمه … وزاغت العيون العربيّة الثّاقبة.
توقّف بصره عند السّماء، ولمح الطّائرة كان عليها علم القائد، فلعن قائد الطائرة وقائد قائد الطائرة وزوجة القائد وأولاد القائد، وكلّ الّذين لا ترتوي قلوبهم إلاّ بسفك الدّماء العربيّة، ثم ذهب في السّماء … أثناء ارتفاعه التقى صحبه يسمون، مرّوا بقرب الطائرة تحلّقوا حولها، تفلوا عليها تفلة طفل بعيون عربية ثاقبة… وأطلقوا ضحكة مدويّة وهم ذاهبون في السّماء… بعيدا في السّماء…/ ر.ج

عن abdallah

شاهد أيضاً

من اعترافات شهريار في اللّيلة الثانية بعد الألف/ بقلم: عمّار العربي الزمزمي – الجزائر/ جريدة الدّيار التّونسيّة

من اعترافات شهريار في اللّيلة الثانية بعد الألف إلى زوجتي تَثاءَبَ النهارُ قبْلَ أَنْ يُكفّنَ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *