الرئيسية / المكتبة / ديوان هلوسات شاعر عربي عبدالله القاسمي

ديوان هلوسات شاعر عربي عبدالله القاسمي

ديوان
ديوان هلوسات شاعر عربي للشاعر التونسي عبدالله القاسمي


عبدالله القاسمي

هلوسات شاعر عربي

شعر
تونس 2014

الإهــــــداء
إلى أبناء شعبي الذين يتقاسمون الحلم
إلى الذين أريقت دماءهم فوق الإسفلت ثمنا للحرية
إلى التي تحاول دائما تأثيث الليل بالفرح والضياء … و التي يولد الصباح على راحتيها كل يوم … إلى منية حبيبة وزوجة
إلى احمد … أسامة …
إلى أمي …
إلى روح والدي …
إليك قارئي ….
إليكم جميعا … هلوسات شاعر .. لعلكم تدركون الحلم و الضياء

سرّ أنا من رجفة الصلصال

هي الثورة .. وما كان من ظلّنا وهم
أستطيع الآن أن أعود إلي ،وان أضم ّ أطرافي إلى بعضها
أستطيع الآن العشق و الغناء
أستطيع أن ألون النهارات و أعزف لسرب الحمام
أستطيع الآن ” أن أكون كما لا يردون لي أن أكون ”
أستطيع الآن مغادرة داخلي
وأرسال أسراب أحزاني للنزهة
هي .. الثورة .. لا بد لي أن أطير بعيدا بجناحين من الفلاذ
لابدّ لي أن ابذر الورد
…………………………..
حين أطلق الغول الرصاص
خلعت الطلقة الأولى ثوب الليل مني
منحت الثانية النور جنائن الحزن في قلبي
هي الثورة … لن أنام في سرير الأشواك مرة أخرى
ها انذا أعلن استقالتي من الحزن
ومن التوحد
و من التشرد
و أعلن شفائي من الرموز القديمة
……………………………..
سأمشي كوردة مثقلة بالرؤى
كحلم ترجل من صهوة القمر
وأقول للحرية كما يليق بشاعر مثلي : هيت لك
مدي جناحك كحمامة بيضاء
كل شيء أبيض حولي .. السماء و التراب
لا شيء يعيدني للوراء .. لن أكون كما يريدون لي أن أكون

-2-

نُصفُي وجع
ونصفي الآخرُ هباء و سموات قاحلة
يطلّ الشاعر المنفي في جسدي من نوافذ القلب
قلبي غزالة برية ،
ترعى يتيمة بين المآسي .
كنت أؤثث حلمي برائحةُ القرنفل
أحلم بالنجوم تومض على شفتيك ،
وكل السفن ترسو على نهديك
فأشعرُ أن المجرة لي.
و وطني يفيض بالحب و المطر
……………………….
يرتسم الشبق على شفتي
فيصّاعد كالدخان فرحي
لقد أصبح لي ألان وطن وحزن لذيذ .
لقد أصبح يهيمُ في جسدي شاعر
كغمامة بين الحقول
فارحلي بعيداً أيتها الأفكار الوحشية
في حلقي بلبلٌ تائق للغناء
و إله صغير يرنو إلى الفرح
أيتها الأشجار المعتكفة في خلوتها
أنا مطرٌ ذهبي
يتسّاقط على المدائن ليزرع في الشوارع الأحلام و الياسمين
لألملم أوصال حبيبتي و أضيء الأحلام بدمائها
أنا طير مفعم بالحنان و الغناء
الشمس لي
و الأرض أحلى من الأيام … أحلى من الضياء
أنا نسيم حنين أتسلل إلى قلوبكم الثائرة
اليوم نأكل ونضاجعُ ونموتُ بحرية
اليوم أستطيع رفع صوتي بالغناء
-3-
مفعم بالحب و الوجع
جسدي يتربص به الفناء كذئب طريد
يراوده حلم شقيّ
ثمة عاصفة برتقالية آتية من عينيك
آه يا غربة تظللني
يا وجعا تشتهي القصيدة أن تسكن أهدابه
يا بحرا تعزف أمواجه نغما مسائيا حزيناً
يقتلني الشوق إلى البحيرات الدافئة في عينيك
حلمي يحبو بين المجرات رضيعا
يشتهي نهدا من غمام ارجواني و صورا لحبيبات من شمع
آه أيها الشعر
من أنت … ؟
سرٌ أنت
مِن لظى أنين المسافات
نرجسة تفتحت من دمي
من أنا … ؟
سرٌ أنا مِن رجفة الصلصال و النار ..
حبيبتي حكاية يتوارثها العشاق وجعا بعد وجع
تخطو على سطح ذاكرتي
ترقص للنار في دمي بطقس إلهي
تغرّدُ فوق أحزاني و تقيم قداس أحلامي ..ِ
قصائدي مرج الخيالاتِ
اشعر باضطراب البحرٍ في صوتي
اشعر بالمطر الأرجواني المعطر في قلبي
يهطلُ في روحي أغانٍ خضراء
حبيبتي آية الخلقِ القديمة
وحي سماوي
مَنْ يدثرني …….
الوجع يهوي بمعوله على جسدي
فيسقط الحلم مغشياً عليه
أيتها الروح المفعمة بالمراثي !
آن الأوان
لـ تصنعي للشعر معجزة
بعدما ألقيت في الجب حبيبتي
و أطردت الذئاب عن الإله الذي يسكن جبّتي

أنا حطام الوهم في عرس ثورتنا

حين فتحت قارة الحلم
عدت محملا بالهزائم كعادتي
……………………
مللت صورة وجهي و الفصول القديمة والمآسي
مللت جثتي و دمي
مللت اللغة و ما فيها من شعر و نثر
مللت التاريخ و البطولات
مللت حكايا العشاق و أسطورة النخلات
…………………………………………..
تائق للفرح .. أبحث عن ثورة تاهت في لغتي
تائق للفرح … أبحث عن رغبة وحشية تسكن جسدي
حروفي صدئة و لساني يحرقني
لا شيء يفصل بيني و بيني
لا شيء في وطني
هم أخذوا الثورة و تركوا الثوار
هم أخذوا الشمس و زرعوا الليل خنجرا
لم أعد أفصل بين دمعي و حبر أوراقي
……………………………………………
كم ضوء يلزمني كي تطير الفراشات في دمي
كم سنة تلزمني كي أرمم هيكلي العظمي
……………………………………………
دروبي معتمة
و الجبال تساقط على كتفي
لا حلم كي ينهض أبي من القبر على صهوة جواد برنزي
هذه معزوفة موحشة للثوار التائهين في بلدي
” طار الحمام بعيدا
اغتسل بالماء و الضوء
و قبل أن يصلي للّه
ويهدل للسلام
و قبل أن يشعل الحلم و الغمام
وقع ميتا في شبه ومضة …
فقيل : – من اغتال الحب و السلام ؟
– من اغتال حلم الطفل قبل أن ينام ؟
ــ ذاك الذي انتحَى
ذاك الذي مضى يؤثث الأرض بالأصنام ”
…………………………………..
أيتها الأشجار المكسوة بالثلج و الحجارة
خذيني شبيها لك فأنا حزين كما ينبغي
الألم يحلق حولي
لا طعم للماء غير الشوك و الشبق المرّ
ثورتنا غابة صفراء
و الصباح الذي نرتجيه مات وليدا
حتى العصافير التي راودتها لم تغرد لي
كم كنت أحبك
و أشتهيك أكثر من الرغبة
كم كنت أحبك وأهبك الروح تفاحا على المنضدة
………………………………………………..
هم اعدوا قوانين انتقالية لإغتيالي
مدي يدك حبيبتي القطي أحزان أمي
مخذول أنا من أولي
أتلاشى كضباب رصاصي
…………………………………………….
الرياح العمياء تغمرني
ثمة مطر حزين في يدي
و صفصافة عرجاء في دمي
أضعت الضوء في غابات الكآبة
فماتت الطيور الخضراء في جسدي
………………………………………….
أنا طير من نرجس
قلبي حديقة لوز و يداي سحابة صفراء
زرعت النور في جسدي فأزهرت أقمار الفضة في دمي
أنا حطام الوهم في عرس ثورتنا

في صدري بلبل وردي تائق للغناء

كم من الحزن يكفي للإشعال هذا الجليد الطويل؟
كم من الحلم يكفي لانتشار الضوء في هذا الربيع الضرير ؟
كم من الرؤى تكفي لإيقاظ الشاعر المنفي في تجاويف القلب، يبكي ،
قلبي فراشةٌ حزينة ، و احلامي صفصافة في العراء
روحي كئيبة تطوف بين نهديك والمآسي .
أحتاج وطنا يتّسع لذاكرتي
أحتاج قلبا غير قلبي لكي لا أسميك وطني
احتاج قواميس لم يطأها الشعراء قبلي لأغني لك حبيبتي
هم اغتالوا رائحةُ البنفسجِ البرّي
أحلم بالغروب و الشروق ، وانتظر الزوارق الراحلة اليك ،
في جسدي يتعانق المطر والحب ، فألوذ بالعيون العسلية و قصائد الغزل لأكون قمرا من السكر
قلبي يرتجف على شفتي
و الشعر نهر من العطر
كم جبل من الحب على كاهلي سألون به خرائط وطني
حبيبتي حكاية وجع خريفي لذيذ، وحزن ممتد من الطفولة إلى زمن الضياء
طيفك في داخلي سحابة .. صباح واعدته الأحلام
في صدري بلبل وردي تائق للغناء
واله غريب صغير يتحسّس المجرة ليبتكر أسطورة الضياء
ليتني مطر وردي يسّاقط على أهدابك الصافية
أو نسيم أطلقته الرياح الثمانية لألملم جنائن العطر من أحلام حبيبتي
مازلت أستطيع الحلم و التجول في الألوان البيضاء
و أجلس فوق الغيوم وأسير للبحر وحيدا…
الشمس في يديك أكثر نور و حنان
والأنهار تتسلل من النوافذ والأبواب إلى شراييني
مازلت تحت النجوم أشيّد قارات مفروشة بالحب والوله
اه … كم احبك يا وطني
رسمت في عينيّ حلم الجياع و التائقين للنسيم الأخضر
أنني أتلاشى رائحة من غابات نرجس و هدير من حروف متوهجة
لقد كنتِ لي وطن و كان شعرك الليلي يذكرني بليلى و قيس يهيمُ في جثتي سحابةُ صفراء
سأخلع ذاكرتي و ارتدي دوائر الدخان
أيتها الأشجار … يا سيدات البلد … الشوارع رضعتها ثدياً ثدياً و السماء غيمة غيمه
انا مطرٌ ارجواني يسّاقط على الأرصفة
و حكايا اضاعها العشاق فخلفها الرواة
كم صفحة من ” مصارع العشاق ” تلزمني لألملم عطر حبيبتي النائمة في هودج احلامها؟
كم صفحة من ” اللسان ” تلزمني لأُشهد الورد اني أحبها ؟
قلبي وردةٍ حمراء
أفرغت أشيائي الحزينةَ في رغبتي الباردة
سأرحلُ عن الحزن بعيداً .. وراء المدائن الغارقةِ في ثورات الياسمين و النرجس و …
سأغتسل من الوجع وممّا خلفه الساسة الحمقى و انتفض من كلمات الدخان و الضباب و دعوى التكفير و التفجير
سأرحل عن الحزن بعيدا .. كي لا يأتي الشعر ذليلاً يائساً من النوافذ المغلقة
وكي لا تكون الحروف من جثث العبيد
سأرحلُ عن الوجع و الحزن
و أحمل في داخلي ثورة شفّافة خضراء
فيها شعبٌ يناضل بالحلم و الورد
سأراقص الحروف و اصرخ بالقصيدة كما يليق بشاعر مثلي ” هيت لك ”
تائق للفرح و لإلة صغير يسكن جبّتي
أشتهي الآن أن أعود إلى حبيبتي
أشتهي ثغرها الممتد و العميق كالمحيط
أشتهي الرياح التي تعصف بين نهديها و من تخوم الروح فيها
أشتهي خصلةَ من شعرها لأضيء القمر
وأرتمي في حضنها كرضيع جائع
لأحدثها عن الوله و الشبق و المياهِ الصافية والنهود التي يولد الشهد منها
أشتهي ضحكاتي القتيلة و دموعي القديمة التي تذكرني بالمطر والعصافير المهاجرة في الشتاء
سأرحل عن الحزن بعيدا .. كي لا أرى وطني قارة من الصخر
سأرحل اليك حبيبتي محملا بالحروف والدفاتر واحتمي بثغرك الطافح بالعسل يتربص بي طيلة الليل كفهد جائع
سأوي اليك الطيورا بيضاء ترحل عن البراري القاحلة
فلا الحزن يكفي يا حبيبتي للإشعال هذا الجليد الطويل؟
ولا الحلم يكفي لانتشار الضوء في هذا الربيع الضرير ؟
ولا الرؤى تكفي لإيقاظ الشاعر المنفي في تجاويف القلب،

وصــــــية الشهيد
‏‏
إلى الشهيد : شكري بلعيد
“لا حزن بعد اليوم ”
صرخ الشهيد
تركت فيكم ما اعتصمتم به لن تظلّوا
تركت دمي ضوء تدلّى على المدينة
تركت حلمي غزالة برية ترعى
تركت رغبتي عاصفة وحشية
تركت نجومي وأقماري
وكلّ العواصف …
تركت كل شيء: البحر
و النار…
تركت شهوتي … وكلّ مواعيد حبيبتي
تركت عشائي على المنضدة …
لا حزن بعد اليوم .. يبتسم الشهيد و ينتشر بين الكواكب
ينتشر بين السهول ، في المجرة
يصرخ بي : هذا حلمي تدثره .. ازرعه شمسا و نخلا
ولا تنسى دمي
أنا لم أمت
أنا بذار الرياح و البحر
أنا لم أمت … لكني تدثرت الأرض
وافترشت سجّادة الحلم
أنا لم أمت … لكني تبخرت في الكلمات وفي الهتافات
أنا لم أمت … لكني جعلت المجرّة تدور في ملكوتي
سلام لي يوم تنحني الأرض لي
و وتدور النجوم في مجرتي
سلام لي
للقادم من دمي
أنا لم أمت .. كتبت بدمي أغنية للفجر
وفجرت جميع الأنهار من لغتي
سلام لي
للفقراء إخوتي
و للغرباء أمثالي
للحالمين رفاقي
أنا لم أمت … لكن حلمي جرفني
لبست يوم الرحيل عباءة النبوّات
كي أوقظ الزمن المدثّر بالجليد
كي أمحو الصدأ عن التاريخ
كي أحرر النهر و الفراشات
كي أزيد من وهج النار
أنا لم أمت ..
حين هوى دمي على الإسفلت
تفتح الكون سنبلة
سنبلة
وفاض التنّور بالأحلام الوردية
وحملت من النور كل زوجين
أنا لم أمت .. أنا أول العشاق للوردة
أظلّل المدائن كسحابة خضراء
لتسّاقط الأحلام رطبا شهيا
سلام لي يوم انسلخ من أنقاضي ومن ركامي
ويوم يزهر الكون بي
أنا لم أمت … تركت فيكم ما اعتصمتم به لن تظلوا
تركت دمي ضوءا تدلّى
تركت حلما للجياع بان يملكوا الأرض يوما
تركت فيكم دمي فاعتصموا به جميعا
أنا لم أمت ….
سلام لي
سلام للقادم من دمي
لكل الأنوار تسكن جسدي

الأحلام هذيان آلهة محمومة بداخلي

كل شيء موحش حولي .. وطني هيكل عظمي
وأنا في هذا العالم ريح في اللامكان
المنفى الأسود يطوّقني أرى وجهي في المرايا تفاحا ..قطعة ضوء مخنوقة
حبيبتي تجري في دمي قرنفلة حزينة
لست سوى طفل يتهجى المجّرة يبحث عن ربيع يتيم ووحيد
يبحث بين أنامل النهار، بين أثار الثواني ..عن وصايا الثوار التي دهسها العابرون في ساحة القصبة
سلاما أيها الرفيق المضي
الأقمار الفضية تطوي أجنحتها حولي
و أنا في المنفى القاتم أغرق .. كل شيء حزين حولي .. رؤى الفقراء و الجبال و الصخر و الينابيع
كل شيء حزين حولي .. حتى دفاتر التلاميذ و رقصة ” الهارلم تشاك ”
المدائن مزدانة بالوحشة و قلبي قلعة حمراء
لماذا تخنقني الرؤى .. و جثتي تلفظني … ؟
كل الأحلام هذيان آلهة محمومة بداخلي
افتح جمجمتي فتخرج أفكاري و تمضي للنزهة ….
افتح جمجمتي فتخرج أفكاري لتحترف البغاء
أنا في الصباح ريح عاتية و في الليل هباء من الدخان
أنا في الصباح عاصفة ثلجيّة و في الليل مرافئ قلق
في يدي جرح و في قفصي صدري ليل و في شراييني بحر مرّ
اشتهي كل شيء ….
أشتهي أن أرى الماء يمشي في خارطة بلدي
أشتهي أن أشعل الشموس في وصايا الشهداء
أشتهي القمح من نهديك و المحار من جسدك
أشتهي عينيك المكتحلتين بالضياء
أشتهي الماء و الأرض و السماء
أشتهي .. أشتهي .. لكنه مرّ في بلدي طعم الاشتهاء
الأشجار في داخلي تئن على الصخر
يمكنني أن أخيط الأحزان
كل شيء موحش حولي .. البحر مريض
الضوء رصاصي
الأفكار باردة
الأيام مالحة
كل شيء موحش حولي …. المرافئ مفعمة بالحنين
البحارة الجائعون يشتهون الحب … و البحر يرتجف في أكفهم
الفجر في جسدي كتلة من رصاص
البلاد مضاءة بقنابل صفراء
الشتاء لن ينقضي هذا العام .. ستظل النجوم مرتجفة وحيدة ..
سنفتقد العصافير و البنفسجات العاشقة
هناك في صدري حيث يتنزه الزمن و الألم
حيث رائحة التبغ و الهواء الأزرق .. قمر مخمور لا يضيء.. برق محطم الأضلاع
في هذا الليل البارد في صدري عاصفة مرّة
الشتاء لن ينقضي هذا العام .. و الربيع سجين بالتماثيل الباردة
أنا الشاعر الغامض قبّلني الحجر على جبيني .. سأظل اسأل:
ما الثورة ؟ ما الرؤى ؟
لماذا تركض الشمس في جسدي من نهر إلى نهر ؟
لماذا تقفز العصافير في حلقي من غصن إلى غصن ؟
لماذا يعوي دمي كذئب في الشوارع المظلمة ؟
لماذا ضاق بي جسدي ؟
أنا الشاعر الغامض اغرق في المنفى القاتم
كل شيء حزين حولي المدائن و رؤى الفقراء

الشاعر المنفي بداخلي صار اعمي

الليل يهوي على صدري جبلا رصاصيا
الليل يتسلل في الشرايين فيروسا وحشيا
الليل يقتحم جثتي .. يمحو ملامحي و ما تبقى من طفولتي
الليل يغرق في الفوضى أحلامي و أوهامي … يعسكر في كوريات دمي
………………………………………………
لا شجر و لا ورد في جنائن الروح .. فأي
امرأة ستفترش سجادة أحلامي المهترئة
أي امرأة سترقص في الشوارع المطوية في حقائب الذاكرة
كل الألوان تداخلت
كل الأشكال وجهي
كل الحروف في الفوضى وجهي
كل نساء الأرض أضلعي
كل جنون العشاق صوتي
لا لون لي
لي بعض الرموز في القلب و غابة من ظلال الصيف
مدي يدك إلى الشموس المطفئة في خلايا الجسد ..
اقطفي حزنا خريفيّا لذيذا ….
هزي صفصافة العمر الصفراء تساقط الآلهة التي ماتت بداخلي
أنا الوجع الأبدي اللّذيذ
حضرت نسج السماء و بسط الأرض و كنت الحرف الأول منذ ارتجفت في الصلصال قدمي
أنا تفاصيل الخلق و الغواية بالأسماء تشّع ذرات جسدي
هزي نخيلي يستيقظ الفجر الذي طويت في وسادتي
أنا شعاع شمس بارد
أنا شهقة شاعر يتهجّى الكون في عينيك
آنا سرّ تبخّر في اللغات .. تحت جلدي بحرمن حضارات
المجد لي يوم يومض الحرف على شفتي و تشرق الأقمار من لغتي
المجد للأحلام المكسورة في رغبتي
للشهوة المخنوقة …..
كل شيء يهرب مني
حلمي يتمرد وشهوتي تقتلني
جسدي من شمع و لغتي تحرقني
كل شيء يهرب مني
أعيروني أحلام الفقراء كي أؤسس مملكتي
أعيروني قلوبكم كي أؤسس لعشاق مجرة أو مشنقة
وهبت حبيبتي للظلام فأعلان براءتك مني أيها الحجر
جثتي بيضاء و أصابعي حجر
لا نوافذ في الروح كي يتسلّل الحالمون
الشاعر المنفي صار أعمى
فأي قصيدة سترتسم بهيكلي العظمي
دمي من نرجس
و قلبي تفاحة صفراء
من أين آتيك بالحب؟
قلبي زنزانة مغلقة
عبثا أمدد عمر الرؤى .. لم يعد للضوء مجرى
الشاعر المنفي صار أعمى … فأي قصيدة سيفوح عطرها
أو تضعها حبيبتي شالا على كتفيها
حلمي طير مترنح في الأفق
السماء ترتجف في كفي
الشاعر المنفي صار أعمى
أشعلي ثلج الروح ليصبح الدمع نهرا و يبادرا و ملحا
ليصبح الشعر في الحلق أفعى
……………………………..
أيها المطر المتدفق من نهديها
أيتها النار المتأججة من جسدها
خذيني إليها لحنا رومانسيا حزينا
أو موجة بعيدة
بي وجع خريفي لذيذ
و في عيناي الباردتين عاصفة من النجوم ترنوا إليها
أنا أنين الكلام على قلبي وقع أقدام الحضارات
أربعون طيفا من العشق يا حبيبة بيننا
أربعون طيف و قرون من الورد ورثتها
و ورثت كلّ شيء
ظمأ أجدادي الهائمين في صحرائهم
حكايا جدّاتي
آهات من ماتوا مخنوقين بأحلامهم
كل الشتاءات الحزينة في عينيك تسكن قلبي…
خطواتي مفعمة بالوجع و الوحل
اشتهي أن افر من كابتي …
حاملا عشقي اذرع ليل القرون الخاوية
لست ثائرا عربيا خدعته الرياح و الشمس
…………………………
الشاعر المنفي صار أعمى .. فأي قصيدة ستزرع أقمار الفضة في دمي ؟
ماذا يعدّ الزمان لي؟
الصباح الذي نرتجيه ذبح على وسادتنا
الربيع الذي فجّر من دمي وأد على فراشنا
ماذا يعد الزمان لي ؟
البحار تفرغ ملوحتها في حلقي
والألوان تنزع حجابها
فلا الأسود حزن
ولا الأصفر موت
و لا الأزرق قلق
كل الألوان حجارة ثكلى تبكي نجومها
كل شيء يهرب مني
حلمي يتمرّد وشهوتي تقتلني
جسدي من شمع و لغتي تحرقني
فأي قصيدة ستنير بوميضها القفص الصدري
الشاعر المنفي في داخلي صار أعمي
وكل الأغاني تسّاقط من شجرة الروح قتلى

خطبة الرجل التونسي لارهابيي الشعانبي
ما بين السماء و المساء نحن
ما بين الحكاية و التاريخ نحن
نحن الأشجار العاريه و شجرات اللوز الحالمة
نحن الحلم المنكفيءُ على نفسه في كل نافذة قلب
نحن ما حمّله الشاعر الحزين

و ما قاله الفتى لفتاته بلسانه المرتعش ،
نحن الحكاية الطويلة تحوِّم كئيبة منذ البدء . كانت يتيمةً وعسليّة
نحن البنفسجِ البرّي يتفتح في العيون الجميلة القرطاجية ،
نحن الحلم بالشروق الدائم والزوارقِ الراحلةِ عند المساء ،
نحن كل …. هذا فهل ستقتلنا ؟
هنا على كراسي التاريخ العتيقه حيث الأساطير و رائحة البطولات و الهزائم
حيث يمتزج الحب بالمطر ، والعيون العسليه
كنّا كقطراتِ العطر نرسمُ الدموع و الفرح
نصّاعد كرائحة الغابات في جبالنا ونترك على الجراح صدى أقدامنا الحافيةِ
لقد كان لنا التاريخ حانه وحزن طفيف يرافقنا منذ الكهوف و قبل ان نتعلم الكتابة
الدخان و الملح الذي بذره الغزاة في أجسادنا و لم يوقف تدفق الماء على شفاهنا
الجبال و البوادي بأرضنا رضعناها ثدياً ثدياً وسحابة سحابة و أشجار الفلين تبادلنا الحب معها فلن تكون حبيبتك
فهل ستقتلنا ؟
المطر الذي نرتجيه في الخريف سيكون لك قبضة موجعة او سوط نار
النسيم المقبل ليس لك بل عطر لحبيبتي النائمة في احلامها كطير وديع
لن تستطيع التجول في المجرات التي شيّدها الحالمون و الفاتحون
ستظل ترتعشَ وحيداً في الظلام .. لن تسحب رداء شمسنا
كل جزء من هذه الأرض
كل ذرة رمل ، كل غصن صنوبر
كل شاطئ، كل ينبوع ماء
كل طير يحلق بين الارض والسماء
كلهم ذاكرتي و اخوتي
و اوصال حبيبتي التي شيدت منها الشعر و الحلم ..
نحن هذه الارض
فهل تذكر، هل تذكر ثلاثة الاف ضوء من الغناء
هل تذكر الوافدين و الراحلين و الحالمين
لقد كانت الشمس صديقتي التي ترافقني للحانة و اليوم هي أكثر استدارة ونعومة من الأيام القديمة ..
لقد تفتح النرجس والسماء زرقاء اكثر مما ينبغي
تاريخنا دماء وقارات مفروشه بالحب والمصاحف .
في ليلة نزعنا الحزن و بقع الحبر و الخمرة الكئيبة من أجسادنا …
في ليلة طردنا الذئاب و أعدنا ارتداء قمصاننا
ليس لك غير الرحيل عنا بعيداً .. بعيداً
وراء الرؤى الغارقةِ في المجاري والدخان … بعيداً حتى عن المرأة العاهرة
لا تغسل يديك بمائنا وعيونك المظلمه
الأمل في يديك ذليل يائس و أنفاسك دم جثث أزهارنا
أرحل عنا جميعا لن نهاديك الياسمين
سنهاديك الحجارة والظمأ و المرايا الكئيبه
لتكون رغبتك عمياء .. لن تضاء لك النجوم ولن تصدح لك الحمامات البيضاء
وعصافيرُ جبالنا العذراء
ستظل تشتهي ثغر حبيبتي العميقَ كالبحر
وخصلةَ شعرٍ يدفئك حين تنام
لن تراقص ضوء القمر و لن تحضر أعراس الفجر معنا
لن تعرف شهد النهود في ليالي الشتاء
الأشجار إخوتنا
غابات الشعانبي إخوتنا
الأنهار إخوتنا.
الرياح زورقنا
كل شيء …
الليل يجمعا و الشمس
نحب هذه الارض و هذه السماء ..
جبالنا التي رعت أحلامنا مثل العشب الذي يكتنف البراري الفسيحة.
مثل شجرات ترقص في العاصفة
أحلامنا تغطي هذه الأرض فالطحالب و الاعشاب من رحيقنا
فهل ستقتلنا؟
دمكم نسج من دمنا
ربكم هو ربنا و يحبنا
ففكوا وثاق الصباح و احلموا مثلنا

من كل نافذة في الروح شاعر يبكي
نُصفي مشتعل
ونصفي الآخرُ أشجارٌ حالمة
من كل نافذة في الروح شاعرٌ يبكي ، و حروف ترتجف ،
قلبي فراشات ذهبيه تحوِّم كئيبة .
رغبتي الصافيةِ تفوح كما البنفسجِ البرّي
كل مساء أشعرُ أن كل الكلمات لي … وفي جسدي ملتقى الحب و المطر ،
الوله عاصفة على شفتي …فأشعر أنني رائحة وحشيه تخرج من عيونك العسلية
لقد كنتِ لي وطناً و وجعا…
احنّ لطيفك يهيمُ في داخلي سحابه حالمة ..
أيها الرغبة البيضاء … انا مطرٌ فضيّ يسّاقط على الشّعرالغجري
نسيمٌ مقبلٌ من لامكان
أشتهي أن أغرق في عينيك المليئتين بالدموع
اشتهي قطف الحروفِ الداميه من طفولتي ،
كنت أحلم بالشبق و بالكرومَ تينع من نهديك
كنت احلم بالتسكع في ثناياك سفينة بيضاء ،حيث كلِّ ثانية حانة ورياح خضراء ،
كل القصائد التي اكتبها نوافذ افتحها على أنوثتك
كل السجائر التي التهمها بشراهة تقودني إليك
سأنزع الأعشاب التي تحجب ماءك وتكشف الطبقات العميقة للأنوثة ..والخجل المتردد فيك
لأردّ الاعتبار للغزل الإباحي على طريقتي
سأدعو عمر بن أبي ربيعة وخالد بن يزيد و والبة بن الحباب و أبا نواس .. ولن أحرمهم من هذه المأدبة
لكن كيف أمددك لتأخذيني شكل المسافة
وفي أي اتجاه سيكون رأسك وصدرك؟
عفوّا أيها القرّاء … اشتهي جسدها المشتعل، فمها العسلي، نهديها الملتصقين كأشرعة الرحيل
أنا رجلٍ عربي الملامح بلادي تنهار وأنا أبحث عن ركنٍ مضيء ..
عندما أفكر ، بأنني أتغزَّل بفتاة مجهولة أضحك حتى يسيل الدم من شفتيَّ
أنا رجل عربي الملامح و في الفراش نسر يضرب فريسته بلا شفقه .
أنا جائع يا إخوتي … أتقلب في فراشي دودة
لقد نسيت ملامحي وتذكرت العيون المثيرة للشهوة
عندما اعتليها أفكر بأنني أكتسح العالم و أكتشف قاراتٍ بين النهود
أنا السفينةُ الراحلة
والريحُ الثمانية
على كتفي رائحة الجواري والسبايا
على رفاتي رنين القوافي والأوزان
عندما أسهرَ مع قصائدي أشهر الكلمة مغموسة في الشفاه
ألون حروفي بالشبق والرغبة والجراح
و أبني لهم مملكة ترشحُ بالسعال والفحيح …
أنا طائرٌ الكلمة لي قطّة بيضاء والأغاني بستانٌ من اللوز الأحمر
أنا رجل عربي الملامح … أنا جائع يا إخوتي …..

في صدري ضوء صغير عاشق
كم مرّة سأنادي لعل نداءاتي تمر بشوارعك
توقظ ما تهاوى من ظلالي
تأخذني إلى دمي و تعيد ما حمّله الشعراء و الشهداء
كم مرّة سأنازل البرق كي أمحو عن القصيدة الحزن الشّبقي
متوهج أنا من أولي نُصفُي نجوم
ونصفي الآخرُ قمر كئيب .. الوجع ذئب شريد يتربص بي
والشاعرُ المنفي في جسدي يطل ّمن كل نافذه في الروح
القصائد تبكي ، والحروف ترتعش ،
و الشّهوة فراشةٌ يتيمة كئيبة تهيم بين نهديك
اشتهي أهدابك الصافية و رائحةُ البنفسجِ
اشتهي عينيك الجميلتين و كلمات العالم لأقول إني احبك
الشعر يضطرب على شفتي حبّات مطر وأنا أصّاعد غابات وردية
… لا شيء حولي
يوم حلمنا .. كان الربيع فهدا وحشيا
والشتاءات الباردة تعّرش كالكروم
يوم خرجنا نجرّ الشّبق الميّت فينا كان الضوء يهزأ خلف الأقنعة
يوم خرجنا كان الحلم رضيعا يحبو في المجرّة
لا شيء حولي … خذلتني حدائق الحبّ في عينيك و الأبدية التي راودتها
فأنا حزين كما يليق بشاعر مثلي
كم مرّة سأنادي لعل نداءاتي تمر بشوارعك
توقظ ما تهاوى من ظلالي
لا الليل لي كي أنير أيقونة الحب في تجاويف القلب
لقد كان الوجع يرافقني منذ الطفولة صديقا
أحنّ لشعرك الغجري
أحنّ لطيفك يهيمُ في الروح سحابه خضراء .
في صدري ضوء صغير عاشق و بلبلٌ تائق للغناء
دمي مطرٌ ذهبي يتساقط على الورقة
أحنّ للنسيم المقبل من عينيك
ليتني أستطيع التجول في مناخات أحلامك و أتلاشى حروفا في مدائنك
أحن إليك … لا شيء حولي
لا الصبح لي كي أواعد ليلى و أنافس قيسا في الجنون
لا الماء لي كي تضاء موانئ الحرف في دفاتري
كم مرّة سأنادي لعلّ نداءاتي تمر بشوارعك
توقظ ما تهاوى من ظلالي
لا شيء لي ….
لي ما تهاوى من وصايا الشهداء
لي ثورة تاهت في لغتي مع الحروف المتناثرة
لي البلابل المخنوقة في حلقي و أناجيل للحب أعدّها
لقد كانت الشمس أحلى وأكثر استدارة في صوتك
والسماء زرقاء أكثر مما ينبغي .
قلبي الذي يخفقُ كعصفور يتيم يحلم بان يودِّع الحزن يوما
ساترك أشيائي كلّها و أرحلُ بعيداً عن الوجع .. وراء الحروف الغارقةِ في الشّبق والشّهوة الجامحة
بعيداً عن كلمات الساّسة الحمقى وأغسل الروح بماء النّهر
لن يأتي الحلم ذليلاً بائساً
سأرحلُ عن السّاسة الحمقى جميعاً بلا رأفة
وفي أعماقي حب وشغف بالشفاه العسلية البيضاء
أشتهي ألان ثغرها العميقَ كالمحيط وخصلةَ من شعرها
اشتهي عناقها في ضوء القمر
لأحدثها عن المياهِ الراكدةِ في القفص الصدري والنهود التي تنمو بطيئة في الظلام
اشتهي طفولتي وضحكاتي القديمة
فكم مرّة سأنادي لعل نداءاتي تمر بشوارعك
توقظ ما تهاوى من ظلالي ؟

هلوسات شاعر عربي

تخرج أحزني للنزهة كل ليلة
لترعى بين نهديك قطعان غزلان برية في ضوء القمر
تحلم بالربيعُ القادم من عينيك
وبالمياه الخضراء تفيض من كيفيك
كم انتظرت أنين الموج و المطر الأخضر في فراشك
فأنا متشرّد في الأزمنة احمل خشبي على ظهري
أحبُّ الوحدة لأحلم بك شهيةٍ وأعاقرَ خمرة ابن الفارض من شفتيك
أحلامي مريضة ومشتاقٌة إليك
والمطر الشبقيّ يتساقط على جسدي
ألمح آثار أقدامك في تجاويف الروح .
فأهوي من السماء العاليه
رغبتي الموحشة تعدو كالخيولِ الوحشية على صفحاتِ دفاتري
الحروف تبكي وترتجف على ورقتي
وفي عينيّ الباردتين عاصفةٌ من النجوم
أيتها الرغبة ذات الجسد المغطَّى بالعسل
أنتِ الليلة لي
سأسندُ رأسي على ضفافك
وأرسم دمعة تومض كالصباح … كشهوة السكران لامرأة عاهرة
فأنا على علاقة قديمة بالحزن والحلم
كل الحروف تلوح لي صدورا عارية …
أنا برق أخضر في الزحام والميادين
اشتهي عينيك قرنفلة حمراء او سحابة راحلة
أيتها الأشجار الارجوانيه
خذني شبيها لك… قلبي هادئ كصخرة
صاف كوردةٍ زرقاء ،
أودُّ أن يولد الحلم ملطخاً بدمائك
لنرفعَ الأرض على الأعناق
مزدحم بالحروفِ ، والكلمات الداميه
كنت أحلم منذ الطفولة بالماء والتلال الذهبية
اشتهي سفينةً بيضاء ، تقلّني إلى نهديك، لأفتح قارات جديدة ، حيث كل ثانية خضراء ،
وحيث كل فتاةٌ تسهرُ وحيدةً مع الفايس بوك .
اشتهي كل القصائد والأقلام وأفواج السياح والمصطفين على الشواطئ العارية
كل الدروب مضاءة إلا القصيدة
وكل الأشجار مثمرة في الحلم
في أي ركن سيكون رأسي ؟
كفرس جامح في الصحراء العربية أبحثُ عمّا خلفه الرواة، عن صعلوك ما
عن حبيبة رحلت و تركت أثارها ليبكي حبيبها
رغبتي ترتجفُ عارية
اصرخ : يا ربّة الشعر
أيتها الساكنة تجاويف قلبي طعنة سكين
أنا الزهرة الكاذبة
والنسرُ الذي يحلق بجناحين من شمع .
أنا الرجلٌ شارب الشمس و محتضن الغيوم
هوذا انا الرجل .. في عينيَّ أمة تواري عبر العصور موتاها .
كنت جائعاً للحلم و للأرداف الأنثوية المثيرة في شوارعنا الطويلة
أيتها الصحراء التي قيل عنها عربية …
أفي كل يوم سجن و قصيده و عاشق جديد؟
هنا .. في الدواوين العربية مئاتُ الكلمات تحتضر
أريد رصاصةَ للرحمة يا إخوتي
لقد نسيت معلقاتكم و أتيت نسائكم بأجسادكم
نزعت العذرية عن أشعار جميل و كثير وقيس
وليلى المثيرة للشهوة أقمت قاراتٍ للشبق بين نهديّها
و عرضتها امرأةً بيضاء للبيع تحت المياه
يا من يريد النهود والأظافر و الشفاه .. معي ليلى و عزّة
أنا ابن رجل عربي أحمل على وجوهي الأمهات سبايا
على قلبي رفات القوافي والقصائد و جثة المعتصم
أهاتي طويلة كالإبر
وعيناي عاهرتان في الشوارع الجريحة و الميادين

مخذولٌ أنا من أولي … رصاصة تبحث عن ضحيتها
الحزن يلسع لساني

أيتها الرغبة العجوزُ .. دعيني أقيم بين نهديك قداس كآبتي
قصائدي غاية رصاص ينتحر فيها المساء
وفي وسطها تنوح أشجارُ البرتقال المظلمةُ
و البلابل الحنونة لا تغرد على نوافذنا
اه كم كنت أشتهيك ….أكثر من العسل
وأكثر من الشوارع الطويلة
أتمنى أن أغمسَ شفتيك بالنبيذ وألتهمك تفاحةٍ حمراء
………………………………………………..
عندما اختلي بقصائدي .. أفكر في أرداف العاهرات البيضاء و بالنصف الأسفل و بالنهدين .. فانا عربي أكثر ما ينبغي
أفكر بطرائق المضاجعة و أتخيّر المفردات الجريئة … وما يمكن ان يوقع الفتاة في فراشي فانا عربي أكثر مما ينبغي
هم يلوّنون الأرض بالدم والغبار والجرحى
وأنا طائرٌ من رماد
الكلمات عندي نوارس بيضاء
واللغات غابة فستق أخضر

مللت السهرات الطويلة في شاطئ البحر وحيدا
و هذه السحابة المقبلة من غزّة كعينين مسيحيتين ،
تجردني من سيفيَ الطويل
تحوّلني من وردةٍ لأسير ،
فتتمرد الكلمات الحرّة التي اكتبها و تسلبني الرجولة
أفكاري العروبية كجيوشٍ حزينةٍ تجلس القرفصاء و أنا أداعب بيانات السياسيين وأرداف العاهرات و تجاعيد الأرضِ والزمن…
الترابُ حزين أكثر مما ينبغي ،
والأحلام مشغولة بدردشة الصديقات في المواقع الاجتماعية
والقصائد مجنونة مستهترة متمنعة تأبي الوصول إلى شواطئها البعيدة
للغربان مآسيها و أفراحها
لا أستطيع أن أكتب على نعل حذائي المسافات التي سأرتادها؟
أراود الحروف المتسكعة
ألوذ بدموع الخنساء وبسلاسل زنوبيا وقروح امرؤ القيس وسيف عنترة و طواسين الحلاج وشعر خالد بن يزيد و خمرة ابن الهانئ
عندما أتذكر عينيك الجميلتين ،
أشعرُ أن العالم يضطرب على شفتي
أشعر أني أصّاعد رائحة بنفسج وحشيه
يومَ كان حلم الوحدة العربية يهيمُ في جثتي ..
وفي حلقي بلبلٌ أحمرُ يهتف للرخاء
أيتها الأحلام التي رضعتها ثدياً ثدياً وبللتني كمطر فضيّ
فقدت حبيبتي المضطجعة على سريرها
احتاج أن أعود لحضن أمي التي تسرّح كل ليلة شعر القمر
ليس لي أمل يا أمي …يهوذا خذلني مع الرفاق و الأصدقاء
احتاج أمي لأحدثها عن نساء الفايس بوك والتثاؤب في رمضان و المياهِ الحزينة
والنهود التي كالشهد في الظلام
أنا أسهرُ كثيراً
أنا لا أنام يا أمي .. حياتي مراودة وسياسة .
وزادي الليلي ضحكات قديمة و بضع أبيات غزل و حذائي القديم المرقع وما قرأت لكارل ماركس و انقلز و ماوتسي تونغ و التوحيدي و الشهرستاني و الجاحظ و الأغاني و الطاهر الحداد و الغنونشي (نعم الغنوشي ) … و الأحاديث و الآيات واخبار العشاق ،

بعد منتصف الليل يا أم أتابع نشرة الأخبار في قناة غير عربية و أتخير “للديار” موضوعاتها :سيكون ” لغزة ” صفحة أو صفحتين… فأنا يا أمي عروبيّ من المهد
و في الثانية فجرا تنام أفكاري لأبقى وحيدا ممتلئا بالسأم والقلق والكلمات البذيئة
والطيورُ الجميلة ترحل في البراري الموحلة..
في أخر الليل أتخير من الكلمات ما تكون حلوة في عيونُ النساء
وأنسى غزة التي ترنو حزينةً إلى الليل والموت …
في أواخر النهار يستيقظ الشاعرٌ الكئيب فيفكر في غزة و يرتدي نظارة الشهوة … و أعود إلى وحدتي … و ترصيف الرؤى

انتخابات
كل ما حولي يا أم هذه الأيام ديمقراطيا … الهواء الملوّث .. الشوارع المرهقة ،
الإسفلت الذي اغتسل من دماء شهدائنا
أرضنا الحبلى بالأساطير
خلوة الناخبين كخلوة المراودة ديمقراطية سرّية … في الخلوة يمارس الناخبون العادة السرية في اختياراتهم ، وتنزع العاهرات الحياء … كلنا نحلم باللذة في الأماكن الخفية
كل ما حولي يا أم هذه الأيام ديمقراطيا … من الرئيس المؤقت ، إلى المعارض المعطّل ، إلى تصريحات البارودي ،إلى رقصة الديك في كلام مورو ..
في الانتخابات نطرد الأفكار الشريرة بالتعاويذ والبيانات … وتزدهر ضيعات البنفسج …
في الانتخابات تنّزل الرحمة في قلوب الساسة فيبكون لهزيمة حنبعل ومقتل الكاهنة .. ويذرفون الدموع لانطفاء النور في أحلام أطفالنا …
في الانتخابات نصير إخوة في رضاعة … حتى كلابنا السائبة تتذكر بيوتها و ثعابيننا تصير أكثر نعومة في ملمسها …
في الانتخابات تهترئ الأحذية المتعبة و الثواني تصير زرقاء أو حمراء أو صفراء تخفي البنفسجي تحتها..
في الانتخابات تلفظ البحار ملحها … الوطن صندوق كبير … لمن ستدلي العصافير بالزقزقة …
في الانتخابات يترجل الساسة عن صهوة النرجس ..
مستشفى في كل بيت ، جامعة في كل حي ، طبيب على وسادة كل فرد ، نار تضطرم لفراشتنا.. نجوم خضراء تحوّم في أحلامنا .. عاهرات للحالمين بالزندقة … فئران لقططنا …الحمدلله ساستنا استجابوا لدعائنا …
في الانتخابات حب وخبز للفقراء … والهواتف مفتوحة كلها …
عندما عدت من الخلوة يا أم صرت وحيدا مغتربا … الهواتف خارج نطاق الخدمة حتى النجوم …
عندما عدت من الخلوة يا أم أضفت الوعود إلى مواعيد حبيباتي الزائفة ..
عندما عدت من الخلوة يا أم .. كنت أحمل إصبعا مغموسا في المحبرة …

خطبة الرجل التونسي لنائب في التأسيسي …
سيدي و أنت تخطّ الدستور .. تأكد انك تكتب أحلام الفقراء و القادمين و المترفين .. تأكد انك تحدد جهات هبوب الريح و شدو العصافير .. تأكد إننا نلتقي معك بل نختلف عنك دائما…. تأكد سيدي لست وحدك على المائدة فنحن جوعى ننتظر عشاءنا و عطشى ننتظر شرابنا.. بل أن أولادي و أولادك ينتظرون حقهم فيه .. تذكر .. تذكر كم رحلة في التاريخ قطعتها الفراشات التي أوت أليك … تذكر قبل ان ترفع يدك للمصادقة نحن نختلف عنك و إن بصامات الأيادي لا تتشابه .. تذكر الأجيال قادمة لست أنت …والسنابل التي ستتفتح ليس لك و اليانبيع التي ستنفجر من صخور جبالنا ليست لك .. تذكر هذا التراب المقدس و الذين عبروا و الذين سيأتون و الذين ينتظرون !!
تذكر تلك المرأة التي ذرفت دموع الرحمة على الجوعى من أبناء شعبي لقرون لا تحد، تذكر إننا نستودعك الأحلام كلها صافية لا تجعلها تحتشد غداً بالغيوم, تذكر كل شيء .. تذكر من ماتوا حبّا و ولها .. تذكر كل عاشق كتم كلمات العشق في قلبه . اجعل كلماتك كالشمس تضيء الكون و لا تتغير أبداً.
نحن نثق بعودة الشمس .. فهي اختنا التي أرضعتنا أشعتها ثديا ثديا .. نحن نثق بعودة الفصول فدعنا سيدي نثق فيك ، لا نريد منك أن تهدي إلينا تحايا الصداقة والنوايا الطيبة او حروف عشق لحبيبتنا ، ذلك لطف كبير منك ؛ لأننا نعلم أنك لست في حاجة لصداقتنا،تذكر فقط أننا مثل العشب الذي يكتنف البراري الفسيحة . ومثل شجرات غابات الشعانبي تربطنا بالغيوم غزليات متجددة .. أبناء شعبي كثيرون وانتم شجرات متناثرة في سهل صنعته العاصفة من دمائنا.. سيدي و أنت تكتب الدستور لا اطلب منك الحب أو الغضب .. أنا منكم من قرية عزلاء بلا أثرياء و أنهجها غير مبلطة و غير مضاءة لكننا تعلمنا أن نجعل نصف عشاءنا خبزا ونصفه الأخر حلما ،ً لا نطلب منك الخبز .. نطلب الحلم و الأوكسجين نريد مساحة اكبر لأحلامنا ، سيدي لشعبي رغبة في عناق الأرض التي وفرت لنا عيشاً مريحاً.
كنّا حطام الأرض. لكن ذلك الزمن مضى وانقضى. بفضل دماء أخواتنا .. ودعاء جداتنا التي لم تعد سوى ذكرى مخنوقة بالنشيج, فلا تخن دماءهم و تخن أحلامنا … لن نطيل الوقوف ولا النحيب على أفولنا الأخير في نهاية المطاف، ولن ألوم إخوتنا ذوي الوجوه الشاحبة على التسريع في ذلك الأفول، لأننا نحن أيضاً جديرون باللوم فلا تزد في حجم أوجاعنا بل اسع لزرع مساحة السكر بيننا …
سيدي من مات و من عاش .. قبل رحيلهم غنّوا للحرية ، للشغل، للكرامة الوطنية .. لم يردّدوا أغانيك في أعراسهم.. فلا تضاعف من أحزاننا .. في حكايات الجدّات ليلا عرفنا أن الساسة هم قساة دائماً وغلاظ القلوب، عرفنا ان الغيلان تخرج في هيئة ملك او رئيس او …. وبأن شيوخنا والمسنات من نسائنا غير قادرين على كبح جماحهم. لكن الأمر لم يكن أبداً كذلك عندما كبرنا … فكن مناّ و لا تكن علينا . هكذا كان الحال مع أجدادنا و آبائنا، لكن دعونا نغير العلاقة بيننا ، لأنكم ستخسرون كل شيء عندما تخسرون حبّنا و هديل حماماتنا.. ،ولن نكسب نحن شيئاً. سيدي رفقا بالأمهات اللواتي خسرن أبناءهن،رفقا بالجوعى، بالفقراء، بالذين يتحسّسون أملا أو يبحثون عن حلم ، رفقا بالعصافير التي تهاجر ارضنا … رفقا بالحيوانات التي عشقت فليننا و بلوطنا ثم عشقتنا و صارت اخواتنا …رفقا بنا .
يوم انتخبناكم أرسلتم إلينا وعداً بأننا سنفعل ما نريد و سنشبع جميعا و سنكون سعداء، وأنكم ستحموننا, وبأنكم ستكونون لنا مثل الجدار المنيع، وأن مبادئكم الرائعة ستؤمن شواطئنا بحيث يكف أعداؤنا عن ترويع نسائنا وأطفالنا وشيوخنا. و ستكونون أباءنا حقاً ونحن سنكون أبناءكم. وانكم ستدعون الله كي يمحو جميع اخطائنا ولكن أحدث ذلك؟!
إن الله هو ربكم و ربنا… إن الله يحب شعبكم و يحمينا.. فلا تجعلوننا أشبه بأيتام بلا ملجأ يفزعون إليه في طلب العون، فكيف لنا أن نكون أخوة إذن؟ كيف يمكن لنا أن نصبح إخوة وأن نعيد الألق ويستيقظ فينا حلم المجد ؟
سيدي لا تغالي كثيرا ، فأصولنا ليست مختلفة وأقدارنا ليست متفارقة، وثمة الكثير مما نشترك فيه…
أحلام أجدادنا , والثرى و الأرض و السماء و الهواء و البحر الذي يمحو ذنوبنا و الفتاة التي نتقاسم حبّها .. كل هذا رؤى منقوشة في قلوبنا.
أمواتنا يعرفون حب الأرض التي كانت لهم مهاداً حالما يعبرون بها بوابات قبورهم.
الليل والنهار منا فلا تغيرهم بل زدهم ضياء . .. ليكن ما تعرضه عادلاً في آخر المطاف وأظن أبناء شعبي سيقبلونه ، أصغ إلينا سيدي .. أصغي لهديل حمامتنا وحتى نباح كلابنا … صوت الأصنام تكلم شعبي من جوف العتمة الخضراء التي تتجمع حولهم، تماماً مثل الضباب السميك الذي يهوِّم خارجاً من حلكة البحر. لم يعد مهماً لنا أين نصرف أيامنا الباقيات. او اين سنلتقي بحبيباتنا … لم يعد مهما لنا .. الليل شديد السواد بلا نجوم تطوف له على أفق . فحاول سيدي أن تزرع ألاف النيازك والأقمار و الشموس , ثمة ريح حزينة الصوت تعول في المدى فاطردها عنا سيدي
نريد سيدي بضعة أقمار أخرى و حفنة من نجوم ، وبضعة أمطار حتى نبقى نطوف على هذه الأرض الفسيحة أو نقيم في البيوتات السعيدة . لا تجعل منّا باكٍ على قبور الماضي . اجعلنا أكبر أملاً. ربما يكون زمان أفولكم دستوركم بعيداً، لكنه قادم دون ريب, لن نقوى على الهروب من القدر المشترك. والأكيد أننا أخوة قبل وبعد كل شيء …
فكّر في قولي ملياً ثم قرر. لكي نقبله أضع شرطي الأول هنا والآن: لا تنكروا علينا حق الأكسوجين،والماء و التراب و الشمس و الليل … لا تنكروا على العصافير حق الطيران … لا تنكروا على البحر حق الاضطراب … لا تنكروا على كلابنا حق النباح … لا تنكروا على الاشجار حق الاخضرار و الاصفرار . كل ذرة من هذا الثرى مقدس في عين شعبي.. كل سفح تلة.. كل واد .. كل غيضة.. كل شجرة … كل ينبوع .. كل حجر.. كل مكان هنا قدسته حادثة سعيدة أو حزينة في الأيام التي طواها الزمان و الايام التي ستأتي .. الصخور التي تبدو بكماء مهيبة وهي تنضح بالعرق تحت الشمس على شاطئ البحر او على فسوح الجبال الجرداء، ذرات الرمل المشتعلة الصفراء و النخلة الطافحة بالأماني ….. كلها ذكريات الأحداث التي تتصل بأحلام شعبي. والتراب هذا الذي تقفون الآن عليه، يستجيب بحب أكبر لدوس أقدامنا، لأن مزاجه دم أسلافنا، ولأن أقدامنا العاريات تفهم لمسته الحانية. والرجال الجسورون، والأمهات المحبات، والعذارى ذوات القلوب المتفتحة ، والأطفال الصغار الذين عاشوا هنا ومرِحوا لفصل قصير. كل هؤلاء الذين طوى النسيان أسماءهم و الذي تسللوا من النوافذ مع الملاحم ، سوف لن يكفوا عن عشق القفار الكئيبة في السباسب و الصحراء الحالمة في الجنوب و غابات الشمال ، وسوف يلقون التحية على الأماني الغامضة التي تعود في المساءات مثل الظلال…
فلتكن عادلاً إذن ولترأف بشعبي، لأن الموتى ليسوا أبداً بلا روح .. هل قلت موتى؟.. ليس ثمة موت.. ثمة فقط حياة على هذه الأرض
سيدي ما تخطه بيدك تاريخ كل جزء من هذه الأرض سيتأثر به.
كل شجرة ،كل شاطئ وكل نقطة ندى في الغابات المظلمة وكل ينبوع ماء.
سيدي نحن جزء من هذه الأرض وهي جزء منا.
الأزهار العطرة أخوتنا. و حتى الأشواك تصير انعم ملمسا تحت أقدامنا
كل خيال في مياه البحيرات الصافية تخبر ذكريات في تاريخ شعبي.
كل شيء دم يوحدنا.
سيدي عندما ترفع يدك للمصادقة … كل ما تفعله من نفع أو ضرر سيعود علينا.
المستقبل غامض بالنسبة لنا والدروب المعتمة
ماذا سيحصل لك لو فكرت في جوعنا ،في عطالتنا ،في بكاء أطفالنا ،في ظلمة ليلنا
ماذا سيحصل لو خلعت ردائك في زاويا … زوايا الغابات النائية أو قطعت الأسلاك الكهربائية المحيطة بمجلسكم ؟
سنحبك أكثر ربما …
عندما ترفع يدك للتصويت أطلق ذكرياتك سحابة عابرة فوق البراري،
فكّر في هذه الشواطئ والغابات
نحب هذه الأرض كما يحب المولود الجديد دقات قلب أمه.
وانت منّا فأحبها كما أحببناها.
اعتن بها كما اعتنت به الديناصورات الآفلة فنحن مازلنا نذكرها بدموعنا فهي من أصولنا.
حافظ في ذهنك على ذاكرة الأرض كما كانت اكبر من حكّامها.
حافظ على الأرض للأطفال وأحبوها كما يحبنا الله جميعا.
نحن واثقون من شيء .. أن الله واحد..
لذلك، نحن جميعا أخوة في نهاية المطاف .. فكّكر بنا سيدي.. نحن نعشق الشمس … و قبل رفع لليد للتصويت فكر بأبنائنا ، فكّر في الإسفلت الذي رشف دم شهدائنا ، فكر بالأمهات السمر في مزارعنا ، فكّر بشيوخنا ، بأحلامنا فكر بنا جميعا فنحن هذه الأرض و انتم منا فلا تخونوا أحلامنا .

• كتب هذا النص ايام المصادقة على الدستور

شهد اللغـــة
كفهد جائع اشتهي الليل و أشعار نيرودا
اشتهي أن اغمس لساني في الحروف كي أتذوق شهد اللغة على راحتيك
اشتهي الارتواء من الغيوم المسافرة في تخوم الجسد ..
لا شيء اكبر من رغبتي … في داخلي حمحمة التائقين للوصال و الثائرين العرب الذين واعدوا الصباح و سكنوا الليل
في عيني ظمأ البراري وقحط الصحراء الذي خلفه الرواة الجوعى
وعلى كفّي الرياح الثمانية …
لا شيء اكبر من رغبتي .. حين تتبخري مع الأمنيات .. يسبيك الحلم فأرتوي من عرق النهود و شهد الشفاه … ارتدي ما شئت من الدخان لن ترحلي عنّي بعيدا سأقيم موائد الياسمين و أدعو جميع الصعاليك لوليمتي
سأزرع غابات اللوز فانا يا حبيبتي ورثت الضمأ و فنون المواقعة و طرائق المضاجعة و صناعة المفردات و حياكة معاني الغزل ..
لا شيء اكبر من رغبتي .. أقيمي قدّاسك يا حبيبتي و صلّي على إيقونة صدري كراهبة .. تسلّلي بين ثنايا الوجع و المطر حيث الحزن يتلألأ في التجاويف القديمة و ارقصي …
لا شيء اكبر من رغبتي يا حبيبتي ..الشوارع تؤثثها الشرطة و الصباحات مزدحمة بالبغايا .. سأعبر معك القواميس فانا ورثت كل شيء .. و أعطيت للعالم أبعادا جديدة :
جسد المرأة كما الأرض وأنا عامل حراثة يخرج ما في الأعماق . كنت مثل النفق الطيور تهجرني والليل يغمرني بكل قوته.
كي استمر على قيد الحياة تنكرت في هيأة العشاق و الثوّار وأنت كنت سهم قوسي، و الحجر في مرتفعاتي ” تمر القرون الطويلة وأنا أحبك.
تمرّ القرون الطويلة و أنا أتخير مفردات الغزل لك
آه عيونك غياب!
آه! الورود على شفتيك مؤلمة !
آه صوتك بطيئ وحنون!”

جسد المرأة النعمة الخاصة بي : يا للعطش، والرغبة اللامتناهية ، والطريق المنبسط في اللامكان ! في كل دواوين الشعراء و في مصارع العشاق حيث يتدفق العطش الأبدي من تيار موحش و التعب يعمل هناك، اما الألم فلا حصر له.
ستقول الفتاة الغبيّة إني شبقيّ و سيقول الرجل المتستر بالحياء إني زنديق أو ربما أباح قتلي .. هم لا يقرؤون
هم لا يدركون الموج : موج البحر الأخضر، والموجة البعيدة و الوحيدة والموج لا يتجزأ من جسمك.

لي كل المياه و كل الجذور و كل الثواني
كنت أريد شعرك والعطور والأعشاب البرية، هذا كل شيء.
في المسافة والتاريخ نحن نغني. هذا كل شيء
روحي متخمة بألم الماضي
غصن من الفاكهة انا يسقط من الشمس على الملابس الداكنة لديك.
آه ما اشدّ اتساع الكون ، واللعب البطيء مع الأضواء، الشفق في عينيك قذيفة الأرض، هذا كل شيء!

كل ضمائر التأنيث زوارق ترحل في الرّوح

كذئب شريد جائع اشتهي الطرائد
والأهداب الصافيةِ و رائحةُ البنفسجِ …
كل ضمائر التأنيث أصيرها زوارق ترحل في الرّوح مع المساء
أشتهيها وطنا وحانة وحزنا طفيفا و مأدبة بها عمر * ووالبة *
الليل شعرها الغجري …
الصباح الرابض في الحقول .اشراقة شفاهها العسلية …
أنتِ الليلة لي
سأضاجعك كما قصيدة كي تزيد مساحة الليل والخريف والوطن و الجياع
وتحت شمس الصفراء سأسندُ رأسي إلى ضفاف روحك فأنا على علاقة قديمة بالجوع والشهوة ..
أنا نسر يحلق في فضاء الغزل الإباحي
عندما أهم بالقصيدة تلوح لي ألاف الصدور العارية و الشفاه العسلية وسحابةٌ من العيون الزرقاء
عندما أهمّ بالقصيدة يضع عمر بن أبي ربيعة تاريخه على شفتيّ .
فيصير صدري قاراتٍ من الشبق .
وقلبي وردة حمراءَ
فأرمي أشيائي الحزينةَ وجوع القرون الطويله
لأنام في القصائد الغارقة في البوح و الهجر والوصل
في حضن المرأة العاهرة وأستحم في سعالها
لم أعد اشتهي العصافير الصغيرة العذراء
أشتهي أن أشارك عمرا لهوه
أشتهي أن تنجز هندا* وعدها لألهث في حضنها
لأحدثها عن الهجير والوله و النساء والنهود التي تشعّ في الظلام
أشتهي أن تنجز هندا وعدها لأهبها الورد و الدمع والأشعار و أنال منها ما اشتهى عمر
أنا يا هند متيّم بالشفاه و بالجسد الغارق بالهمجية والعسل والعطر ،
في صدري يا هند رغبةٌ مزمنه من قديم الزمان .. فأنا متسكع ٌ كئيب كعمر
أشتهي أن أكون معصما في يديك
أو قلبا من الذهب على صدرك ،
أشتهي أن أقبِّلك وان أتعطر برائحة نهديك كي أغيض عمرا
أيتها العشيقةُ المتمنّعة ذات الجسد المغطَّى بالعسل
أودُّ الموتَ على صدرك ملطخاً بالرضاب
فانا يا هند مزدحم بالحروفِ أحلم بسفينة تقلني إلى نهديك كي تنجزي الوعد معي لأتوّج أميرا للغزل الإباحي …

عمر : عمر بن ابي ربيعة
والبة : والبة بن حباب : شاعر ماجن كان ابونوس راويته
هند : هي التي قال فيها عمر ” ليت هندا انجزتنا ما تعد
الدلالات الشعرية – والاشتغال الفكري : قراءة في ديوان هلوسات شاعر عربي للشاعر التونسي عبدالله القاسمي
بقلم : الناقد و الباحث و الأديب العراقي : علي عنبر السعدي
في محاولة الربط بين اشتغالات العقل وابتكارات المخيال ، يذهب بعض الدارسين الى القول بأن العقل يهتم باليقينيات والمثبت الذي اكتسب واقعه الحسي ودلالاته المتجسدة أو التي يمكن تجسيدها،فيما يهتم الشعر بالظنيات أو المتخيلات بما تمثله من رموز وايحاءات مافوق حسية وانزياحات تخرج المعنى عن معياريته لتكسبه فرادة لامكان لها خارج النصّ.
ذلك قول لم يفِ الموضوع حقّه وانغمس في مطلقات ماكان لها أن تؤخذ معياراً منهجياً يمكن اعتباره ، فوقع في اشكال بنيوي ومعرفي معاً،ذلك لأن اشتغالات العقل لا تقتصر على اليقينيات وحسب ،سواء في بنيته المعرفية ، او اشتغالاته الفكرية التي تبقى في مجالات الإحتمال قبل مرورها في مراحل متعددة لاكتسابها من ثم درجة يقينية
المحتمل – حينما تكون الفكرة في بداية
1 ـ التكّون
3- الممكن – حين تنتقل الفكرة إلى مرحلة التخطيط -4
5المفترض – عند الشروع بتوفير إمكانيات التنفيذ -6-
المرجّح – -7-
إكتمال وسائل التنفيذ وبدء العمل
8- المتوقع – بعد أن يقطع العمل مراحل مهمة وملموسة
.6-الواقع – حين يتم الإنجاز وتكتسي الفكرة باليقين مجسداً.
تلك المراحل كلها ، انما تدخل في مجالات اشتغال العقل ، وتوليده للافكار التي قد تكتسب صفة التحقق في الزمن والحيز في المكان ،أو مايدخل منه في الجانب الايماني المعتقدي الذي يتجاوز هذين العاملين .
وهكذا يمكن القول ان العقل يشتغل كذلك على البناءات الافتراضية أو المتخيلة ،وفي مساحات ينافس فيها المخيال بكل مايحمله ومايبتكره وما يزيحه من المعنى في اللغة والصورة بكل اشكالها واشكالاتها ، ومن ثم يقتنص الظاهر من الاشياء او المتخيل منها ،ليبني عليه نظرياته التي تخضع للتجربة والقياس والبرهان وماشابه ، ولو اقتصر العقل على اليقينات وحسب لما تطورت المعرفة البشرية ،لكن في وقت يسعى فيه العقل لتجسيد مبتكراته ضمن محسوسات ، ينفلت الشعر من تلك المهام الى فضاءات أكثر حرية اذ هو ليس مطالب بالاثبات عما ابتكره من جماليات في زيح المعنى واعادة تركيب الاشياء باستخدام اللغة .
في عرض منهجي للمهام التي يضطلع بها العقل ، وربطها من ثم بالمخيال ،يظهر ذلك الالتباس ًبين العارف والمعرفي ،بين العارف حيث الاكتساب بالعقل ، والمعرفي حيث الابتكار بالمخيال ،فالعارف وحده هو من يشتغل في اكتساب المعلومة التي تحولت يقيناً واكتسبت درجة من القطعية لدخولها حيزي الزمان والمكان ومجالات التناول الحسي والوجود المادي ، أي اصبحت واقعاً – ثابتاً أو متحولاً- ،اما العقل المعرفي ،فهو الذي يبتكر ويخترع ويكتشف ماسوف يصبح يقيناً ، وبالتالي ففي لحظة الاكتشاف ، لا يعمل بمنطق اليقين ،بل الافتراض الذي لم يتحول الى يقين بعد.وقد لايتحول ان لم تثبت مبررات يقينيته.
أما الشعر- والأدب عموماً – فهو اعادات مستمرة لصياغة الاشياء بما فيها اليقين والمفترض والاحتمال والمسكوت عنها والمختبيء والمخبّأ الخ، وفيما يلجأ العقل الى البرهان والشواهد والتثبت والتثبيت والربط ، يلجأ الشعر الى الايحاء والانزياح والرمز والدلالة والتكثيف والبعثرة واعادة التجميع ، في متواليات لاتنتهي.
ان نظرية (الفوضى الخلاقة )قد تبدو في الشعر اكثر منها في السياسة ،ذلك ان الانزياح الشعري بذاته ،يعتبر من الأمثلة البارزة في هذا الجانب ،يقول سامي العامري في قصيدته (وصايا) (أوصيك أيها الجرح ، وانت تشق طريقك نحو صدري – ان تتخفي بهيئة زورق – فإذا صادفت بجعات تنظف ريشها على ضفاف دمي –أوصيك ان لا تخبرها بما يحدث في الخارج – دعها بمنأى عن الفظاظات).
يتلاعب الشاعر في حقيقة الاشياء التي يصفها في نصّه ،فيخرجها جميعاً عن دلالاتها في اللغة المعيارية ،ليبعثرها في مجاهل النصّ لكنه رغم ذلك يجعل منه وحدة مشهدية متماسكة ،فالجرح هنا كائن حي اتخذ وجه صديق يستمع ويحتمل ان ينفذ مايسمع ،لكن الجرح لاينبغي ان يكتفي بذلك ،بل عليه أن يتحول متخفياً بهيئة زروق ،يكتمل الانزياح هنا ليذهب بعيدا،فقد كان على اللغة في معيارها الأساس ان تخبرنا عن جرح في الصدر ،الإ ان النصّ الشعري ذهب بها الى أمكنة افتراضية مجهولة ، فإذا به يشق بحراً كامناً في الصدر ،ويرى بجعات تنظف ريشها على (ضفاف الدم) ليس ذلك الدم النازف من جرح في الصدربلونه القاني كما نتوقع أن تخبرنا بها اللغة المعيارية ، بل هنا بحر آخر بكل عوالمه بما فيها أغصان تتوسل أن يصف لها الفصول(وإذا توسل بك غصن ،أن تصف له الفصول، فاكذب ، لفقّ قصة ، ازعم إن هناك شموساً ضاحكة) ).
لسنا هنا أمام لغة تخبرنا عما حدث عن حالة انسان تلقى طعنة قاتلة ومن ثم يتوقع موته،بل عن لغة اعلنت ابتكاراتها في اقامة عوالمها الخاصة بارتكاب فعل الانزياحات المتواصلة ،فلم تبقِ على ماهو مألوف لتخبرنا عنه ، بل عمّا صنعته لتدمجنا به ،خارج ماهو متصور لدينا من قبل..
في جانب آخر ،يقول محمود درويش (ولد ما ،طيّر الان حمامة – الى أعلى – الى سقف الغمامة –فلماذا يدخل الصياد في المشهد –كي يرمي سهامة؟)
في بداية النص ،نتوقع ان اللغة تسير حسب مفهومنا لها ،فلاغرابة في اخبارنا ان هناك ولداً يطير حمامة الى أعلى ،بل قد نسخر من جملة كهذا ونتهمها انها ليست شعرية ،فماغرابة ان يقوم ولد بتطيير حمامة ،لابد ان تكون مرتبطة بفعل الطيران المألوف أي الى اعلى ،لكن اللغة تنزاح بقوة لتنفلت من سياقها المتوقع ،فتجعل من الغمامة بمثابة بيت وسقف ،ما يحيلنا الانزياح الى معنى جديد ،إذ نستنتج ان الولد يسكن الشارع ولاسقف له سوى غمامة الغمامة ذاتها دائمة الرحيل التي لاتوفر له اطمئناناً ،لكنه يرسل اليها حريته (الحمامة) لتبقى محلقة فلا تؤسر .
تطلق اللغة هنا (ماموثها البكر) على حدّ تعبير عزيزالتميمي لتشحن اللغة بطاقة جديدة متفردة ،تفاجئنا في مقطع آخر لمشهد غير متوقع، وفي تسائل مرهف وكارثي معاً عن دخول صياد ليرمي سهامه ،لكن على من ؟ هل سيصطاد الولد أم الحمامة أم الغمامة ذاتها؟ ان اللغة ترتكب انزياحات متتالية متسارعة تترك الذهن مندهشاً يحاول اعادة تركيب المفردات لتكتسب من ثم معاني جديدة لم تكن متواجدة خارج نطاق النصّ الشعري .
الشعر حين يفتتح كرنفالات المعنى ،لايصل بها الى أمكنة محددة أو معروفة سلفاً ، بل يتركها تمارس طقوسها في دوائر لونية وايحائية وتداعيات تبدو على غير نهاية ، يقول سعدي يوسف (ربما مرت على أهدابنا – خفقة خرساء ممن قتلوا – ينبت العشب على اجسادهم – حين تشتو الريح او تنتقل – ربما مرت بنا –لكننا – كل عام بينهم نحتفل) في لغة أخرى ،كانت ستخبرنا عن خفقة تحدث حيث مكانها أي في القلب ،أما هنا ،فاللغة تتخذ مسار آخر ،ان الخفقة تمارس خرسها أو تزعم انها خرساء كي لاتفشي سر القاتل ولا ما يعلن ممن قتلوا ،لكنها قد رأت حين مرت على (أهدابنا) وقد خرسنا بدورنا فاسهمنا بصنع الجريمة ،الا ان الضحايا رغم ادانتهم لنا ،يعودون محملين بالعشب النابت على اجسادهم العصية على الموت فلم تتحول الى رفاة ،بل النصّ هنا يمنحها بقصدية ظاهرة صفة الاجساد كي يعلن انهم مازالوا احياء كلما اشتت الريح او ارتحلت ،فيحيل هذا المقطع الى العاشق الخالد قيس ابن الملوح)الذي تقول الحكاية ان ليلى وعدته ان ينتظرها حتى تعود ، فبقي واقفاً الى ان اخضّر العشب ويبس تحت قدميه .
الانزيحات في هذا النص ،تتغذى من بعضها ،فكلما انفلتت مفردة عن سياقها المألوف ،اصطدمت بأخرى لتخرجها بدورها ،فنقع هنا أمام أمام موشور ضوئي يمور بالالوان ،يمكن من خلاله تلك المفردات القليلة التي اوردها الشاعر في نصه ،أن تحاك مشاهد ومواقف حياتية كاملة ،انبثاقاً من مما ترسله اللغة من اشارات لم تسلك أيا منها – في الجوهر – طرقاً مما عرفنا وان بدا ظاهرا كذلك .
لكن حديث الإنزياحات الشعرية ،سيقودنا الى النظر في بنية اللغة ذاتها ،وفيما اذا كان النصّ الشعري هو من يرتكب فعل الانزياح ،ومن ثم الافتراض سلفاً ان هناك طرقاً معبدة ومستقيمة للغة ينبغي سلوكها ،ليعتبر ذلك السلوك هو القائس الرئيس لصحة استخدام اللغة كي تعبر عن معنى محدد متعارف عليه
الشاعر التونسي عبد الله القاسمي ،يجعل اللغة في قصائده ،تمارس انزياحات ذاتية متتالية من دون أن تشعر بأيما ارهاق ،كإنما في طقوس كرنفالية تتلبس مطراً ملوناً مصنوعاً من أحزان دائمة الحضور (حين فتحت قارة الحلم
عدت محملا بالهزائم كعادتي)
حلم بحجم قارّة ،تمتلك مشروعية قصيدتها لتعلن فتواحاته ابما كان ينبغي أن يكون نصراً لحلم يتجسد وان متأخراً ،ذلك ماتقدمه اللغة المعيارية في فعل (الفتوحات) حيث ارتبطت بأذهاننا بما فعله الأولون ، لكن اللغة عادت تئن بهزائمها بعد ان حمّلها الشاعر ثقل انكسار الحلم ودفنه في قارة باتت متلاشية وغارقة كما (اتلانتيك)وهكذا يعود الشاعر مشبعاً بالندم بعد أن (مللت صورة وجهي و الفصول القديمة و المآسي
مللت جثتي و دمي ) فمالذي تبقى كي تمارس اللغة بهجتها في الإعلان عمّا تستره ؟
ذلك هو سؤال الإنزياح ،فاللغة تخلق عوالمها المدهشة رغم ماتعلنه من مجهضات .
رغم (هزائم) الشاعر وانكسار عوالمه ،الإ انه لم يفقد اللغة،بما تفتحه من (قارات)قزحية لاتنتمي الى عوالم الهزيمة (الرياح العمياء تغمرني
ثمة مطر حزين في يدي
و صفصافة عرجاء في دمي)
المفارقة بين الشاعر ولغته الشعرية ،تبدو مدهشة وملفتة ،فهو حين يعلن عن تمزق احلامه ويأسه عما يمكن تحقيقه ،فتستجيب اللغة لاظهار حالته وكآبته ،الا انها تمارس مواربة محببة ،إذ في الوقت الذي يعلن الشاعر انكساره ،تعلن القصيدة انتصارها، وذلك بابتكاراتها وانزياحاتها دون توقف ،المطر الحزين يلوذ في يد حزينة بدورها،وصفصافة تظهر عاهتها دون خجل،فهي في عالم آخر تصنعه اللغة المتفلتة من ضوابط الحزن لتصنع صوراً مرئية شديدة الوقع ،لكنه علمها وحدها ،لاشريك لها فيه ،حتى الشاعر الذي تواسيه اللغة بما خلقته،لذا سرعان ماتعيده الى حلم آخر يرسل ذبذبات من نشوة قادمة على أجنحة خضراء معتلياً مراكب شموس حانية
(الشمس في يدي أكثر نور و حنان
والانهار تتسلل من النوافذ والابواب الى شراييني
مازلت تحت النجوم اشيد قارات مفروشه بالحب والوله)
انتصرت اللغة في انزياحاتها،على الشاعر في واقعيته – بل وفي معياريته كذلك – فقد بدأها إناءاً لسكب أنّاته ،ويقيناً لانكساراته،لكنها تمردت – وان طاوعته بداية – فأجبرته أن يعود الى عوالم ليست هي ذاتها .
اللغة هنا تركل الأحجار الكئيبة الداكنة ،بأغصان مازالت مكتسية بالاخضرار ،وبأنهار تغمر الأمكنة والأزمنة لتغمر صحراء الشرايين فتستبدلها بحدائق تجعل الشاعر ينهض نشطاً يعانق التفاؤل بغد افضل فهو مازال يشيد قارات تعبق بالحب ،بديلة لتلك التي افتتحها فردته مهزوما.
هنا ينبغي أن يقود الحديث الى ماهية اللغة ذاتها،وفيما إذا كانت وسيلة للتواصل وأداة للاستخدام ،أم انها تمتلك كينونتها البنيوية الخاصة التي تعمل أو تتسع لاحتواء معان لاتحصى في الوقت عينه ، ومن ثم يصبح حديث الانزياحات بلا معنى أو يفقد الكثير مما وضع على عاتقه أو علّق عليه ،فالنظرة الممعنة عبر سيرورة اللغة مذ كتب أول حرف في عصور موغلة في القدم ،انما صنعت كينونتها الخاصة ومارست الانزياحات على نطاق واسع درجة يمكن فيها القول ان ذلك الانزياح أصبح يمثل اللغة (الأصل) ذاتها ، وليس ما انفلت منها او سلك سلوكا آخر منحرفا عن الاصل .
لقد تعرف الانسان الاول الى اللغة بواسطة ما اراد منها ، وكلما تطورت المجتمعات ،سارت اللغة بموازاتها ك(مجتمع)قائم بذاته ،يستعير منه الناس مايرونه ضروريا ،في وقت تستعير من الناس ماتحتاجه لاغنائها .
اللغة والحالة هذه ، بمثابة كائن مستقل ،يدخل في جدلية تفاعلية مع المجتمعات البشرية ،يمنحها بمقدار مايأخذ منها ، ولما كان تواصل الحياة وتعقدها ،تضفي على الكائن البشري ميزات تصبح جزءا رئيسا من تشكله النفسي (السايكولوجي) تدخل اللغة كذلك باعتبارها كائناً اجتماعياً ، في التشكل السيكولوجي ذاته.
المعيار،بما هو النقطة الحرجة،أو المستوى الأول أو الأكثر شيوعاً ،الذي يمكن اتخاذه انموذجاً لقياس مقدار انحراف اللغة أو انزياحها ، هو ذاته يواصل انزياحات متواصلة في اللغة، التي يمكن ان يدخل في بنيتها ليس الكلمات المكتوبة والمنطوقة وحسب، بل الاشارات أو الايماءات في اعضاء الجسم أو أطرافه ،التي يمكن ان تستخدم للتخاطب ،وبالتالي تصبح جزءا من كينونة اللغة .
التعامل مع المعيار في اللغة ، انما ينظر الى اللغة ضمناً أو فعلاً ،على اعتبارها وسيلة جامدة على قواعد ثابتة ، من دون أن يؤخذ بالاعتبار ،أن المصطلح يمكن ان يولد ويتوالد من ظواهر اجتماعية ، ولما كان ايما متداول اجتماعي يبدأ من كونه (حالة)أي ممارسة او قول يبدأ افرادياً
،فإن تطور وامتد زمناً وشاع استخداماً ،يتحول الى ظاهرة،فإذا توسعت تلك الظاهرة وعمت سلوكاً وتراكمت زمناً ،تصبح عرفاً ،أي سلوكاً جمعياً يصبح بمثابة معيارا لضبط السلوك الفردي ضمن أطر مقبولة بالمفهوم الجمعي ،لكن الأعراف تتطور وتتبدل كذلك وفقاً لتطور المجتمع وماقد يدخل عليه من ظواهر أخرى تقوم برفد الاعراف لزحزحة بعضها والاحلال محلها كي تصبح اعرافاً جديدة قابلة للتطور بدورها .
تلك الجدلية يمكن احتسابها في اللغة كذلك، فالحقول الرئيسة التي تثبت فيها اللغة وجودها الجمالي ، انما في الشعر خاصة ،والاعمال الادبية والفنية عموماً ،وهذه تتخذ من الانزياح حقلاً رئيساً للابداع ومن ثم يجعل من ذلك (قاعدة) أو مؤشرا على مقدار حيوية اللغة وقدرتها على التفاعل مع انتاج حالات الجمال التي تصبح بدورها معيارا للذوق العام المتبدل باستمرار بدوره ،وذلك في جدلية دائمة لمتواليات الحضور والغياب .
أما في اللغة كمفهوم للمعنى ، فالمجتمعات البشرية تتطور أو تتبدل باستمرار ،ومن ثم تسير معها اللغة وفقاً لاحتياجاتها في مستويات تطورها او تبدلها ، وفي سيروة التبدل ذاك، انما تبدل المجتمعات من معاييرها باستمرار ،اي انها تمارس الانزياح عما ألفت ، وشاع في سلوكياتها او لغتها وبكل مايدخل عليها من مفردات او مايندثر منها .
استناداً الى ذلك ينبغي النظر الى موضوع الانزياح كما يذهب اليه الدارسون، باعتباره شكلا متقادماً لم يأخذ بنظر الاعتبار امكانية اللغة باعتبارها كائنا سايكولوجياً متحركا يمارس باستمرار خلق معايير جديدة ليتجاوزها من ثم ويصنع غيرها، ما يمكن استخلاص الحديث عن الانزياح بكونه تفاعلية في اللغة وجزءا رئيساً من وجدوها وكينونتها ، لايمكن الحديث عن لغة من دونه، ولامعنى لها بغيابه ،لذا فالانزياح ليس انحرافاً عن اللغة ولا تجاوزاً عليها ،بل هو في صلب اللغة ،ذلك لأن تاريخ اللغة وسيروتها ،انما كان باستمرار ،تاريخاً للانزياحات (الحيوية) وليس للمعيارية (السكونية).

الفهــــــــــــــــــرس
الإهــــــداء………………………………….. ص 3
التقديم : ……………………………………….ص 5
أنا حطام الوهم في عرس ثورتنا ……………ص 21
في صدري بلبل وردي تائق للغناء ………..ص 27
سرّ أنا من رجفة الصلصال ………………….ص35
وصــــــية الشهيد ……………………………ص 42
الأحلام هذيان آلهة محمومة بداخلي………….ص48
الشاعر المنفي بداخلي صار اعمي …………ص 53

خطبة الرجل التونسي لارهابيي الشعانبي …..ص60
من كل نافذة في الروح شاعر يبكي …………ص66
في صدري ضوء صغير عاشق ……………ص 72
هلوسات شاعر عربي ………………………ص 79
انتخابات …………………………………….ص 90
هم راحلون …………………………………..ص94
خطبة الرجل التونسي لنائب في التأسيسي….ص 98
شهد اللغـــة ………………………………..ص 108
كل ضمائر التأنيث زوارق ترحل في الرّوح … ..ص 112
خيبـــــة …………………………………… ص117

ديوان

عن abdallah

شاهد أيضاً

أُجَالِسُ صُورَتَهَا…/بقلم: المكّي الهمّامي-تونس-/جريدة الدّيار التّونسية

أُجَالِسُ صُورَتَهَا.. أَتَأَمَّلُهَا، ذَاهِلاً وَشَرِيدَ الرُّؤَى.. (هَكَذَا كُنْتُ، فِي وَحْدَتِي..!) كُلَّمَا ابْتَسَمَتْ، تَتَقَهْقَرُ دَبَّابَةٌ.. يَتَجَمَّدُ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *