الرئيسية / ثقافة / في عيدها، 13 أوت 2017 اعترافات/بقلم:صفية عبد الجليل قم/تونس
3

في عيدها، 13 أوت 2017 اعترافات/بقلم:صفية عبد الجليل قم/تونس

… وضعتني امرأة ككلّ بنات جنسي وككلّ الفتيان.
لا استثناء في علّة وجودي ! كنتُ على التّوالي ثالث بنيّة تضعها أمّي الّتي هي بدورها أختٌ لخمس بنات وأخ وحيد، ولعلّ في ما سأذكره يكون الاستثناء:
ـ جدّي أحمد الشيخ الزيتونيّ وعدل الإشهاد لم يُعامل جدّتي وبناته الستّ إلّا بالحسنى بل لعلّه كان فيما يُروى يُؤثر بناته على خالي الوحيد آخر العنقود فيحمل لهنّ كلّ ما يشتهين وحجّته في ذلك أنّ الابن يرافقه ويخرج إلى الشارع ويرتاد الدكاكين ويقتني ما طاب له في حين أنّ البنات ملازمات البيت…
ـ جدّتي آمنة ـ رحمها الله ـ لم تتأفّف يوما من كونها ولود بنات، بل كانت تباهي بهنّ وبمهاراتهنّ المتعدّدة وكثيرا ما كانت تقصّ علينا أخبار طالبي زواجهنّ وكثرة الغاضبين عليها لعدم فوزهم بإحدى كريماتها…
ـ جدّتي عويشة، شقيقة جدّتي آمنة ـ رحمها الله ـ رُزقت أبناء، إناثا وذكورا ولم يفز بالحياة غير أبي وإخوته الثلاثة، فظلّت همّتها معلّقة بأن تُرزق بابنة وآل بها الأمر بعد أن أعجزتها الحيلة إلى أن تتبنّى أختي الكبرى وقد توفّيت أختي البكر.
ـ في بيت العائلة الكبير، عشنا، بنتان وأربعة إخوة يصغروننا سنّا. في بيتنا الكبير سهر على تربيتنا أمّي وأبي وجدّتاي وأعمامي وخاصّة أصغرهم وجيراننا وأقاربنا… لم نشعر يوما أنّنا دون أحد من هؤلاء…
… كنتُ وأختي محلّ تبجيل ومفاخرة بين لِداتنا وصرنا الحاكمتين بأمرنا عندما كبرنا وظهرت علينا النّباهة والاستقامة… لم يتسلّط علينا الرّجال ولم يشعرونا يوما بأنّنا أقلّ منهم، بل لعلّنا كنّا الأمل المشرق في حياة الأسرة. ومع ارتقائنا في سلّم المعرفة صرنا القدوة والمثل الأعلى بلا منازع !
ـ في المدرسة والمعهد: تفوّقنا وإشادة معلّمينا بقدراتنا وحسن سلوكنا… رسّخ فينا الإيمان القويّ بأنّنا من جنس ” تخرّ له الجبابرة ساجدين ” وعجبنا من أولئك الآباء والأمّهات الّذين يسجنون بناتهنّ بالبيت ويحرمونهنّ لذّة التعلّم، خوفا عليهنّ من… الرّجال وحفاظا على العرض والشرف !
أختي تمرّدت على نواميس مجتمع منغلق، وبتفوّقها في الدّراسة أصرّت على أن تدرس ما تريد هي، لا ما يريد والداي… وسافرت إلى لندن في تربّص سنة كاملة رغم ذهول الكثيرين وإلى أمريكا بعد التخرّج أستاذة في اللغة والآداب الانقليزيّة، جزاء تفوّقها… وبُهت الّذي كفر ! كانت مَثَلي الأعلى فما رضيتُ بغير الاقتداء بها وإن كان عشقي للّغة العربيّة طاغيا مهيمنا على كلّ الاختيارات الأخرى الممكنة !
ـ بالجامعة، بكليّة الآداب 9 أفريل بتونس كان لكتاب “امرأتنا في الشّريعة والمجتمع” للطّاهر الحدّاد المقرَّر في برنامج السّنة الأولى من أستاذيّة اللّغة والآداب العربيّة أثرُه البليغ في نفسي وفي تفكيري معاضدة مع دروس الفلسفة المكثّفة، سنة البكالوريا وإدماني العجيب على المطالعة منذ نعومة أظفاري وإيقاع خطب الرّئيس الحبيب بورقيبة ـ رحمه الله ـ وتوجيهاته اليوميّة لترسيخ قيم العدل والمساواة الّتي تضمّنتها مجلّة الأحوال الشخصيّة.
ـ بالكليّة كان الإسراء حين التقيتُه وعرض عليّ أن أكون شريكة حياته فقبلتُ وأنا أعلم أنّ ذلك، أيّامها من حقّ العائلة دون سواها ! لم يعد تفكيري يدرك وجاهة أن يقرِّر غيري عوضا عنّي ما هو أجلّ حقّ من حقوقي: حقّ اختيار رفيق الدّرب؛ وكنتُ على يقين من أنّني سألاقي عنتا ومعارضة شديدين، خاصّة أنّ هذا الشّريك لا يملك من الدنيا آنذاك غير نصف شهادة جامعيّة، وكان التّحدّي على قدر عسر الامتحان ! وأمام إصراري قُبل الأمر على مضض وعشتُ قبل عقد القران على مواويل النّصح والإرشاد علّني أثوب إلى رشدي فتكون التوبة… إلّا أنّني لم أتبْ، وكان الزّواج !
ـ أستاذةً صرتُ وزوجة أستاذ فما رضينا بغير الندّيّة والتّشارك ماديّا ومعنويّا، وما رضينا في تربيّة الأبناء بغير العدل والمساواة بين أربعتهم. لم نؤثر الولد “الوحيد” على أخواته الثلاث ولم نغبط حقّ البنات أبدا رغم تعاليق بعض الأقرباء ودعوتنا إلى إيثار الولد الّذي يعتبرونه “راسْ كَعْبَة ” ونعتبره ثاني أربعة أبناء.
ـ في مسيرتي المهنيّة بوزارة التربية أو بوزارة التعليم العالي، أستاذة فناظرة دراسات فكاتبة أولى فَكاهية مدير، ما أحسستُ يوما أنّي دون نظرائي بل كنتُ أراني وبعض زميلاتي أشدّ اجتهادا ومواظبة وجدّيّة وحرصا على إتقان أعمالنا من كثير من زملائنا ! هذه الجدّيّة تعضدها الثقة الرّاسخة بالنّفس جنيتُ منها الاحترام والتقدير وثقة رؤسائي المباشرين العدول وجنتْ عليّ من السّفهاء ومريضي النّفوس… لكن لا بأس، تلك هي الضريبة في مجتمع ينخره سوس الذّكورة المقنّع، وإنّي ومثيلاتي لبالمرصاد لكلّ القوارض والزّواحف… !
ـ نعيق بوم الشؤم اليوم المنادي بقبر النساء في البيوت لحلّ أزمة البطالة والسّهر على راحة الزوج والأبناء… مزعج أحيانا ولكنّه بلا أثر أو صدى، وإنّي لأراه مسرحيّة هزليّة ركيكة سمجة ! أ بعْد كلّ أشواط الدّغل الّتي قطعتها المرأة التونسيّة تكون الردّة؟ ! ألا أيّها الحالمون أو المدمنون على رديء الأفيون استفيقوا، فما عاد يخفى على عاقل سُخْفُ ما تروّجون وما عاد يخفى على عاقل أنّ ما تستظلّون به وتتخفّون وراءه الإسلام السّمحُ منه براء، براء وإنّ روحه لتُسفّه مزاعمكم وأباطيلكم الّتي ما أتى الله بها أبدا…
في عيدها، شكرا ظليلا وارفا ممتدّا خالصا لكلّ من آمن بأنّ المرأة إنسان كامل بلا زيادة أو نقصان، وعلى هذا المبدإ البديهيّ قَبِلَ عن طواعية أن تكون شريكته في كلّ مجالات الحياة دونما تمويه أو شروط.
شكرا خاصّا وخالصا لكلّ الّذين أسهموا في نحتي من النّساء والرّجال الّذين على أيديهم نشأتُ وتعلّمتُ وعلّمتُ، فما أنا غيرُ خلاصة نضال سيّدات كريمات ورجال أفذاذ بذلوا ما في وسعهم لأكون.
شكرا أخصّ: لأمّي وأبي ـ رحمه الله ـ الّلذين لم يدّخرا جهدا في تربيتي وإخوتي، لأعمامي وخالاتي وإخوتي وأصدقائي.
ـ شكرا موصولا بلا ضفاف لزوجي الّذي برّ بعهد الشراكة بكافة مستويات الندّيّة على ما في الدرب من عثرات… ولأبنائي الّذين هم أبرّ بي من نفسي !
وعليه، فإنّ هذا اليوم 13 أوت من كلّ سنة لا يمكن أن يكون عيد المرأة بل هو عيد الرّجل أيضا؛ فمتى ندرك أنّ مثل هذه التسميات والادّعاءات تكرّس التفرقة واللّامساواة؟ ! متى ندرك أنّنا نحتاج عيدا للمرأة والرّجل معا، عيدا للأسرة في تشاركها وتعاونها وتكاملها لتشييد مجتمع تمّحي فيه فوارق الجنس وتسوده القيم الإنسانيّة النبيلة النّاجعة؟ ! متى نُنهي خطابات العدميّة وتكريس إحساس المرأة بأنّها الضحيّة المستضعفة وأنّ فريقا من الرّجال قد هبّ لنصرتها؟ ! متى ننهي هذه “الحروب ” الوهميّة الباردة بين آدم وحوّاء وما أُنزلا الأرض عبثا بل ليسكنا إلى بعضهما ويعمّرا الكون؟ !
إنّني من دعاة إلغاء التسميّة: ” عيد المرأة ” وتعويضها ب” عيد الأسرة “، إن كان لا بدّ من يوم عيد ! قد يكون الغد أبهى، وإنّ غدا لمنتظريه لقريب… ولن يكون العيد عيدا إلّا إذا كرّم كلّ الكادحين ولم يقتصر على النخبة التي تتصدّر واجهة المشهد في حين أنّ خلفها ما يُدمي الفؤاد…
مساكن، في 13 أوت 2017

3

عن addiar attounissia

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *