الرئيسية / اخر الاخبار / ملامح من شخصية الشيخ عبد الله المرابط الترغي وإسهاماته العلمية والأدبية.
Sans titre

ملامح من شخصية الشيخ عبد الله المرابط الترغي وإسهاماته العلمية والأدبية.

تقديم:
للعلم رجاله الأفذاذ، وأبطاله الأمجاد، ومؤسسوه اللذين رفعوا بنيانه بكدهم وجهدهم وتحملهم للنصب والعذاب، فإنه لمن الواجب التنويه بهم، وتسجيل تاريخهم كرواد يقتدي بهم الشباب، ويسير على هدادهم في مقاومة ظلمات الجهل والتخلف والاندثار، والرفع من جودة العلم وأثر الأدب المغربي العربي الإسلامي الخفاق، حتى يتبوأ مكانته اللائقة بين الأدبيات. وإنها لسنة حميدة تلك التي ما فتئ الناس فيها يذكرون أحبائهم وأصحابهم وشيوخهم وكذا علمائهم. وإنه لمن جميل الصدف أن يحملنا الواجب إلى إعادة النبض للكثير من اللحظات التي قضيناها مع الأستاذ الشريف العالم المجد الكبير سيدي عبد الله المرابط الترغي التطواني. وخاصة أن العالم الجليل من كبار المحققين المغاربة في مجال تحقيق التراث والتعريف به، وأيضا من كبار الأدباء والمفكرين العرب والمسلمين، اللذين أعطوا لأمتهم دفعات قوية من التألق والازدهار.
وبما أن كتابة تراجم العلماء فن أصيل يكاد أن يكون فنا مستقلا بذاته، فإن التعريف والتأريخ لعلماء الأمة والترجمة لهم ولأعمالهم ما هو إلا جزء لا يتجزأ من مضامينه. وبما أن ترجمة الأعلام في وقتنا المعاصر لم تعد تحظى بالأهمية الكبيرة كالسابق، فإنه لمن الواجب علينا إيراد ترجمة وافية للعالم الجليل سيدي الله المرابط الترغي، وبعض من إسهاماته الجليلة في مجال حفظ التراث المغربي وصيانة أجزاء مهمة منه، كما توجب علينا ذكر أهم إسهاماته العلمية والأدبية، والإضافات المهمة التي عطر بها المكتبة المغربية في مجال التعريف بالأدب المغربي والدفع بقضيته قدما نحو الوجود والتألق.

أولا: سيرة الشيخ عبد الله المرابط الترغي.
1) اسمه ونسبه:
هو سيدي عبد الله بن محمد بن المفضل بن محمد بن لحسن بن عبد السلام المرابط الترغي. ولد في دار اليعقوبي ب: (( حومة المصدع)) داخل أسوار مدينة تطوان العتيقة سنة 1944م ، كان أبوه (( محمد بن المفضل الترغي)) ممن ولد بقرية ترغة الساحلية الغمارية، وانتقل إلى تطوان بعد مدة ليست بالقصيرة.
2) أسرته:
إن أصل أسرة الشيخ الجليل تعود جذورها إلى قرية ترغة الغمارية الساحلية، ولهذا يرجع نسبهم ((الترغي))، وقد غادر الكثير من أفاردها إلى قبائل ومدن مختلفة منها: قبيلة بني زيات الغمارية، وقبيلة وزان، ومدينة تطوان، ومدينة طنجة وغيرها.
نشأة الشيخ الجليل كانت في كنف أسرة اشتهرت بحب العلم والاهتمام بالتراث العربي الإسلامي ؛ الشيء الذي مكنها من اكتساب سمعة كبيرة في مجال التدريس والتعليم. وقد نبغ فيها الكثير من العلماء اللذين يعتبرون من كبار علماء تطوان وقبيلة غمارة، وقد تصدر والد الشيخ الجليل عدة وظائف حكومية في عهد الحكومة الخليفية.
وقد استوطن كثير من عائلته مدينة تطوان قبل الحماية، فكان من بين أفرادها بتطوان الفقيه محمد بن علي الترغي الذي كان من بين الموقعين على عقد البيعة لمولاي السلطان مولاي اليزيد بتطوان يوم 12 جمادى الثانية 1236هـ/ 17 مارس 1821م، والفقيه محمد كان يزاول أن ذاك خطة العدالة.
3) مساره التعليمي.
في سن التمدرس ألحقه والده العلامة محمد المرابط الترغي ب (المسيد) لحفظ القرآن الكريم قبل أن يتابع دراسته الابتدائية والثانوية بالمعهد الأصيل بتطوان.
بعد حصوله على شهادة الباكلوريا، ((تخصص الأدب)) التحق بكلية الآداب فاس، وحصل منها على الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها سنة 1968م، ثم نال في السنة نفسها شهادة الكفاءة العليا في التربية بالمدرسة العليا للأساتذة.
في سنة 1987 م، نال المرحوم دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب بفاس، ليعقبها بعد خمسة سنوات (1992 م) بنيل شهادة الدكتورة الدولة، تخصص أدب مغربي وأندلسي في كلية الآداب تطوان، كان موضوعها “حركة الأدب في المغرب على عهد المولى إسماعيل: دراسة في المكونات والاتجاهات” تحت إشراف الدكتور محمد الكتاني.
4) وظائفه:
تقلد الشيخ الجليل عدة وظائف تربوية طيلة حياته العلمية، ابتدأها بالتدرج من التعليم الأساسي إلى التعليم العالي، فكانت مسيرته المهنية كالتالي:
 انتظم في سلك التدريس بمدينة طنجة، وقضى 15 عاما أستاذا للتعليم الثانوي؛
 انتظم في سلك التدريس بالمركز الجهوي لتكوين الأساتذة “السلك الأول بالمدينة نفسها”؛
 في سنة 1987م عين أستاذا مساعدا في بكلية الآداب تطوان بعد نيل شهادة دبلوم الدراسات العليا؛
 ترقى إلى أستاذ للتعليم العالي بعد مناقشته أطروحة الدكتوراه التي كان موضوعها: “حركة الأدب في المغرب على عهد المولى إسماعيل: دراسة في المكونات والاتجاهات” تحت إشراف الدكتور محمد الكتاني.
إلى جانب العطاء في ميدان التعليم والتدريس، تقلد الشيخ الجليل الكثير من المناصب الإدارية والبيداغوجية منها:
 رئيس شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية أدب تطوان؛
 عضو مجلسي الكلية والجامعة؛
 عضو اللجنة العلمية بالكلية؛
 رئيس وحدتي البحث والتكوين في تحضير الدكتوراه ودبلوم الدراسات العليا المعمقة؛
 عضو في عدد من لجان الإصلاح الجامعي؛
 رئيس ملتقى الدراسات المغربية والأندلسية؛
 عضو اللجنة الوطنية لجائز الحسن الثاني للمخطوطات والوثائق؛
 مؤطر في الدراسات العليا.
5) أخلاقه:
لا شك أن قيمة العلماء تتحدد بعطائهم العلمي والأدبي من جهة، وأخلاقهم وتواضعهم الكبيرين من جهة أخرى، وكلا الخصلتين تميز بهما الشيخ الجليل اتجاه العامة، فدائما ما تجده في قلب الجامعة، تارة يحاضر، وتارة يوجه، وتارة أخرى يناقش معالم الكثير من مشاريع الطلبة والباحثين، وحقا يقال أن الشيخ الجليل كان شديد التواضع ميالا للكرم، فاتحا لأبواب مكتبته الغنية بالأثار والنوادر أمام العامة والخاصة، في ود وكرم مستمرين. فكان الطلبة مثل أبناءه، والأساتذة مثل إخوانه، فدائما هو محبوب من طرف الجميع، ودائما مشورته هي المشورة، وكلمته هي الكلمة. إلى جانب هذه الأمور تلمس في كتابات الشيخ الجليل ومحاضراته القيمة النادرة المهمة حبا كبيرا لأبنائه الطلبة، ورغبة ملحة في توجيههم، وصقل مواهبهم الفنية. وإلا جانب الاحترام والتواضع والتخلق، كان دائما بشوشا حتى في مواجهته لمرضه الخطير، فتراه لا يفارق ذكر الله، ولا ينسى حمد الله تعالى، منكب على واجبه الديني تارة، وواجبه العلمي تارة أخرى، كأنه سطر بذلك معالما واضحة لحياته الدنيوية والأخرى.
ثانيا: عطاءه العلمي واهتماماته الأدبية
1) أهم أعماله الأدبية والعلمية:
للشيخ الجليل إسهامات عديدة، وفي مجلات كثيرة، عطر بها المكتبة المغربية، فكانت وبكل فخر مرجعا لكل ظامئ، ومتنفسا لكل طامح، وأغلب أعماله كانت في مجال الأدب المغربي القديم. وكانت أيضا في مجال تحقيق النصوص وإخراجها. وبذلك استحق لقب أب شيوخ التحقيق في كلية الآداب تطوان، ومن أعماله الأدبية والعلمية نذكر ما يلي:
 أعلام شمال المغرب، لعبد الله المرابط الترغي، الجزء الأول، منشورات المجلس العلمي المحلي لعمالة طنجة، الطبعة الأولى سنة 2014م؛
 أعلام شمال المغرب، لعبد الله المرابط الترغي، الجزء الثاني، منشورات المجلس العلمي المحلي لعمالة طنجة، الطبعة الأولى سنة 2015م؛
 فهارس علماء المغرب “منذ النشأة إلى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة، لمؤلفه عبد الله المرابط الترغي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، سلسلة الأطروحات ((2))، الطبعة الأولى سنة 1999م، تطوان؛
 الشروح الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية ـ العصر الأول ـ دراسة في الأنماط والاتجاهات؛
 الشعر والشعراء في المغرب على عهد الدولة العلوية.
وللأستاذ الجليل العديد من الإسهامات، سواء منها المنشورة أو المكتوبة، وكان رحمه الله ميالا إلى كتابة المقالات العلمية، وحضور الندوات الثقافية والأدبية، وذلك في إطار خدمة الطلبة والباحثين، ولم يكن في هذا الإطار يبخل على الجميع بما وهبه الله من العلم والأخلاق والتواضع.
2) خدمته للأدب العربي والمغربي.
لا شك أن الشيخ الجليل كرس جزءا هاما من حياته في خدمة مشروع الأدب المغربي، وساهم بكل ما أوتي من علم وأخلاق في إخراج جزء من معالم هذا المشروع العملاق إلى حيز الوجود، وتشهد أعماله المطبوعة والمخطوطة على هذا الاهتمام، كما تشهد جودة أعماله على عطاء قل نظيره في هذا المجال. وقد تميزت أعماله بالدقة الكبيرة، وبالتوسع المصاحب للتعريف، وببعث الكثير من الظواهر من دفات الكتب المرصوصة بين الرفوف إلى واحة التداول والنقاش، سواء تعلق الأمر بقضايا الأدب والتأريخ له، أو بقضايا النقد الحديث أو القديم وخصوصياته.
إلى جانب ما سبق ذكره من اهتمامات، نجد الشيخ الجليل أيضا بالتراجم، فأفرد بعضا من مؤلفاته بالتعريف ببعض من شيوخ الشمال المغربي بالخصوص، وباقي أعلام الوطن بالعموم، وكانت إسهاماته دائما محط تبريز وتنبيه وافتخار، وخصوصا من طرف كبار الباحثين والنقاد، سواء المغاربة منهم أو العرب.
وقد اختار أستاذنا الجليل منذ البداية، التوجه المحوري نحو الأدبين المغربي والأندلسي، حيث خصص جهوده لتحقيق أمهات الكتب المغربية وإنجاز دراسات قيمة حول أعلام هذا الأدب، وفق منهجية ممتازة في البحث العلمي، مما أهله ليكون مرجعا أساسيا، لا غنى عنه في هذا المضمار. فكانت عضويته ضمن “ملتقى الدراسات المغربية والأندلسية” من أكثر ما أكد هذا الميول، وزكى أطروحة هذا الاهتمام. فالشيخ الجليل من مؤسسي هذا الملتقى سنة (1986 م) الذي أخذ على عاتقه تنظيم سبع دورات، تمحورت حول قضايا مختلفة، آخرها الدورة التي نظمت برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية تطوان.
تناولت الدورة السالفة الذكر، أفق التحقيق العلمي (4-5دجنبر 2006م). وقد كان لشيخنا الجليل إسهامات ضمن هذه الملتقيات، ولا شك أنها أضافت للأدب المغربي الكثير من التميز، لتثمن بذلك جهود الأستاذ الجليل، ولتخلد بعض من آثاره الطيبة .
كما أنه يرجع له الفضل في تقديم كتاب: “أعلام مالقة”، الذي شكل قيمة مضافة للثقافة المغربية والعربية والإسلامية، حيث بذل في إخراجه جهودا استثنائية، تعجز عن الوفاء بالمؤسسة الضخمة .
إن اهتمامه المرحوم بالأدب المغربي يرجع إلى عوامل عديدة ومتداخلة، منها:
 عشقه الكبير لنماذج عديدة من هذا الأدب الزاخر بآيات الإبداع؛
 تأثره بأعلام الأدب المغربي الكبار: (عباس الجيراري، محمد حجي، محمد المنوني…)؛
 إهمال الدارسين المغاربة له وتركه حبيس رفوف المكتبات. معرضا للتلف والضياع والنهب؛
 نظرة بعض النقاد الدونية للتراث والأدب المغربي؛
 قلة الاهتمام من طرف النقاد المغاربة بدراسة الأدب المغربي القديم؛
 الغيرة الكبيرة التي كان المؤلف يوليها للتراث المغربي وأعلامه الكبار.
وفي رأيه أن إخراج هذا التراث إلى حيز الوجود سيسهم وبلا شك في إعادة الاعتبار للأدب المغربي وأعلامه الكبار، كما أن سيسهم في إزالة النظرة الدونية للغير عن الأدب المغربي ومميزاته الفذة. كما أن اشتغال النقاد والباحثين المغاربة بهذا الأثر الجليل سيساهم وبلا شك في خلق جسور التواصل بين ماضي الثقافة المغربية وحاضرها.
وتؤكد الأعمال الأدبية التي أخرجها المؤلف إلى حيز الوجود على مدى الاهتمام الذي أولاه الشيخ الفاضل إلى الأدب والتراث المغربي، بالإضافة إلى تميز وتفرد أعماله ودراساته. فتخصصيه جانبا مهما من تآليفه المتميزة لدراسة الأدب المغربي وظواهره التاريخية والأدبية، يشهد على حب منقطع النظير للتراث المغربي ويؤكد على أن المؤلف كان له غيرة كبيرة على هذا التراث العتيق. وتبين كذلك، حرصه على بعث المصنفات المغربية القديمة إلى حيز الوجود مع إضافات متميزة إلى جوانبه، تبدأ بفهم عميق للتراث القديم، وتدمجه ضمن سياق حديث متين.
3: خدمته للأدب الأندلسي
لا شك أن اهتمام الفقيد بالأدب المغربي وانكبابه على التأليف ضمن مجالاته العديدة لم ينسيه أبدا معشوقته الأندلس؛ بل كان ومن بداية مشواره الدراسي حريصا على المزج بين الثقافتين، أو بين الجزيرتين رغم الشرخ المكاني القائم بينهما، فقد حاول وبغيرته الكبيرة في بعث روح الأندلس في دراساته، واهتماماته، وكذا في محاضراته، فكان دائما تواقا لحضن التراث الأندلسي، وجعله جزءا لا يتجزأ من حياته المعاشة. فإليه يرجع الفضل في تقديم كتاب: “أعلام مالقة”، الذي شكل قيمة مضافة للثقافة المغربية والعربية والإسلامية، حيث بذل في إخراجه جهودا استثنائية، قلما نجدها في أبحاث ودراسات مماثلة.
من الخدمات الجليلة التي يرجع للراحل الفضل فيها، تأسيسه رفقة العديد من الباحثين والمهتمين ملتقى الدراسات المغربية الأندلسية (1986م). فهذا الأخير تناول العديد من القضايا والمواضيع الرئيسية في سبعة دورات كانت آخرها الدورة التي نظمت برحاب كلية الآداب تطوان. وتناولت أفاق تحقيق العلمي، (4-5 دجنبر2006) .
وحتى لا نكون مجحفين في حق الشيخ، فقد كانت له وإسهاماته الأكاديمية في مجال الأدب الأندلسي فهي أكثر من أن تنحصر، وخصوصا إذا قلنا أن شيخنا الجليل أشرف على أكثر من 40 بحثا، ما بين رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. وأطروحة لنيل الدكتوراه. كما شارك في أكثر من 60 لجنة لمناقشة الأطاريح والرسائل في جامعات مغربية عديدة إلى جانب عروضه العلمية المتميزة التي ألقاها في عدد من الملتقيات الفكرية، والندوات العلمية داخل المغرب وخارجه .

ثالثا: أعلام من عائلة الشيخ الجليل وبعض الآراء نحوه.
1: أعلام من عائلته.
لا شك أن عائلة الشيخ الجليل عائلة عتيقة كبيرة، اشتهرت بالعلم وتدريس العلوم، سواء كان الأمر في قرية ترغة الغمارية، أو في مدينة تطوان.
إن استيطان أسرة الفقيد بمدينة تطوان ليس بالقريب، ولكنه قديم قدم العائلة بتطوان، ولهذا تعتبر من العائلات التطوانية أصلا، لدرجة أن زقاق سمي بنسب هذه الأسرة بحي الربض الأسفل بالمدينة العتيقة (درب الترغي) لعراقة هذه الأسرة وتيمنا بها وبأفرادها الذين أنجبتهم، فنبغ منهم من الأعلام الكثير الكثير، نذكر منهم لا سبيل الذكر لا الحصر:
أ: العلامة القاضي محمد بن المرابط الترغي .
ولد العلامة محمد الترغي بقرية ترغة، الواقعة على شاطئ البحر من قبيلة بني زيات الغمارية (البعيدة عن تطوان وشفشاون حوالي 60 كيلومتر) في حدود سنة 1919م ونشأ بالقرية المذكورة في حضن والديه، فأبوه هو المفضل المرابط الترغي، وكان رجلا بسيطا يزاول مهنة فلاحة الأرض والقيام بأعمال البحر الحرة، ووالدته هي السيدة رحمة بنت الرايس اعلي أمنوال، وهي من أسرة كبيرة في ترغة. وحينما بلغ سن التميز ألحقه والده بمسيد القرية الوحيد، وفيه تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وبدأ بحفظ القران الكريم على يد الشيخ الشريف الوجدي البوعناني. وقد أتم حفظ القرآن بعد عدة حوادث مرت على القرية بسبب أساليب الاحتلال الاسبانية التهجيرية.
وقد أتم علومه الشرعية على يد كبار علماء قبيلة غمارة، فقد تلقى علومه الأولى على يد قاضي قبيلة بني بوزرة الغمارة سيدي علي شهبون (ت 1953م) ، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة الصومعة بتسيفت في قبيلة بني زجل، فتلقاه شيخها سيدي الراضي أخرباش (ت1969م) بالكرم وحب العلم، فتلقى على إثره الكثير من مبادئ العلوم الشرعية فكان من بين نوابغ الطلبة فيها، وبعد ذلك خلفه الشيخ عبد القادر الغزواني، الذي نال من غزارة علمه الشيء الكثير بسبب حداثة قدومه من القرويين بفاس. وبعد ذلك شد الرحال إلى مدرسة أغنواري، بقبيلة بني سعيد الغمارية، فكان بها الشيخ محمد خرباق السعيدي ، فنال منه ما يقتديه الأدب والواجب، فشد الرحال إلى إحدى حواضر شمال المغرب، وهي مدينة تطوان التي كانت تعيش في تلك المرحلة حركة علمية قل نظيرها بعد مدينة فاس، فأخذ فيها على كثير من علماء تلك الفترة، وصار من مجلس علم لأخر، فأخذ العلوم الضرورية، وتكون في مجمل علوم تلك الفترة.
وقد تقلد الشيخ الجليل عدة وظائف ي تلك الفترة، كان أولها تقلده منصب الخطابة في المساجد، وقد مارس الخطابة منذ وقت مبكر، ليستمر خطيبا للجمعة والعيدين، فتنقل بن مساجد تطوان العتيقة من مسجد لوقش الشهير، إلى الزاوية الناصرية، وبعد ذلك ستأتي به الأقدار إلى المسجد الأعظم أو المسجد الكبير بتطوان، وقد تميزت خطبه بسلامة السبك، ودقة المواضيع، وتأثيرها على المتلقي، فكان بذلك الخطيب المتميز المتمكن، وبعد ذلك سيتقلد منصب القضاء، والصدارة، كما أنه تعاطى التدريس في مساجد تطوان، ولم يكن من الهين على كل من كان أن يتقلد المنصب الأخير، فلابد أن يكون متمكنا مجتهدا، ورعا وخلوقا.
وقد ترك المرحوم عدة مؤلفات في الفقه والأدب، فكان بذلك خير عالم، لخير ساكنة، ومن أبرز ما ترك الشيخ الجليل نذكر على سبيل الذكر لا الحصر:
– كتابات في التفسير: أهمها شرح الأحزاب الخمسة الأخيرة من القرآن الكريم، وذلك في إطار عمل جماعي، وكانت وزارة الأوقاف كلفت المجالس العلمية بإنجازه؛
– كتاب الإشارة إلى مناسك الحج والزيارة، وهو كتاب كبير في جزئين، لم ينشر بعد، أو في طريقه إلى النشر؛
– رحلاته الحجية الثلاث، وهي رحلات نقل فيها المواقف التي صاحبته أثناء فترة الحج؛
– مجموع فتاوى، وهي فتاوى مما نشر في الصحف، أو التي ما تزال مخطوطة، وهي في مجلد ماتزال تنتظر النشر؛
وغيرها من الأعمال التي تقع أغلبها ضمن الكتب المخطوط التي لم تحقق بعد، والتي في تحقيقها فائدة كبيرة للمتعلمين والباحثين.
توفي رحمه الله بتطوان، سنة 1999م، وشيعت جنازته في محفل رهيب، ودفن بالقرب من ضريح سيدي المنظري، بالقرب من باب المقابر.
ب: الترغي أحمد:
هو الترغي أحمد بن حجون، من العلماء، كان إماما وخطيبا بجامع ترغة، وهو دفين بساحتها.
ت: الترغي أحمد بن علي:
هو الترغي أحمد بن علي بن الحسن بن أحمد الزياتي الغماري، له تقييد مشهور على الأرجوزة الدائعة الصيت في فقه الذكاة المنسوبة للشيخ ابن بشير، لا يعرف لا تاريخ ميلاده ولا وفاته.
2: أراء الأدباء والعلماء والمفكرين في شخصية الأستاذ الجليل.
لا شك أن الأقلام التي كرمت الشيخ الجليل سواء في غيبته نحو السماء، أو في حضوره بين القلوب لن توافيه حقه أبدا، ويكفيه شرف الأخلاق والانتساب إلى دوحة النبي، وإلى أقطاب الحب الصوفي، فشيخنا الجليل هامت في حبه الأرواح، وأشبعت من ينابيعه الأنفاس، وحتى وإن غاب عن العيون فإنه بالضرورة سيظل مستوطنا القلوب، وهذه نفحات من بعض الأدباء والمفكرين وكذا الأكاديميين اللذين جمعتهم بالشيخ الجليل علائق الحب والأخوة والعمل، وكذا العلم.
– رأي الدكتور محمد مصطفى الريسوني :
“لقد ذهب عنا هذا الصرح العظيم في غفلة منا، إذ أن أمالنا في شفائه كانت كبيرة لدرجة أننا كنا نعتقد أن مرضه مجرد ازمة عابرة ستنتهي بالشفاء الكامل، وقد كان لأخينا عبد الله دور كبير في قوة هذا الأمل…”
– رأي الأستاذ الدكتور محمد كنون الحسني :
“فهو العالم الذي لا يشق له غبار في التراث العربي الإسلامي بصفة عامة، وفي التراث المغربي بشكل خاص، وحيد عصره في علم المخطوط ودقائقه، وفرائده، ومضامينه” .
– رأي الأستاذ الدكتور حذيفة أمزيان :
“لقد فقد المغرب عامة وجامعة عبد المالك السعدي وكلية الآداب خاصة أستاذا كبيرا عالما جليلا أفنى وقته وحياته في التربية والتكوين والتأطير والبحث العلمي، فكانت عطاءاته الرصينة والدقيقة شاهدة على علمه ونبوغه في تخصصات مختلفة سواء منها تحقيق التراث المخطوط وفن التراجم والفهارس واللغة والأدب أو العلوم الشرعية….” .
– رأي الأستاذ الدكتور محمد سعد الزموري :
إنها شهادة أستاذ يعترف أن الجامعة فقدت بفقدان هذا العالم طودا شامخا، ولبنة متينة، ومرجعا علميا بارزا .
– رأي الأستاذ الدكتور عبد اللطيف شهبون .
“وكان لك في هذا المنحى اهتمام استثنائي بالوفيات، حتى لكأن شاهد حالك ترجمان لفكرة مؤداها أن تواريخ الوفايات لهي أفيد في بناء التراجم الراحلين من تواريخ ميلادهم؛ والناس يولدون وقد يعمرون.. لكن تواريخ وفاياتهم هي محطات حصاد أعمارهم.. إن كان لهم حصاد، أو معنى…”
3: وفاة الشيخ الجليل
توفي الطود الأعظم، العالم الأكبر، المحقق المتقن، الخلوق المحسن، سيدي عبد الله المرابط الترغي، سنة 2014م، بمدينة طنجة المحروسة، وشيع جثمانه الكريم، وسط جو مهيب، وحضور كبير، ووري الثرى في مقبرة الشهداء بطنجة العالية، فرحم الله الفقيد، وأدخله فسيح جنانه الطاهرة، وأسكنه مع الشهداء والصادقين والنبي الكريم، وجعل طلبته وأصحابه ومعارفه، من كبار العلماء، وكبار النبلاء، سالكين في ذلك طريق الحق والصراط المستقيم، إنه الولي على ذلك والقادر عليه.

خاتمة:
وبعد هذه اللمحة المقتضبة عن حياة الفقيد العزيز الكبير، “العالم الجليل سيدي عبد الله المرابط الترغي” نؤكد أننا ومن خلال هذه الترجمة المتواضعة لم نقدم لشخصه ما يستحق من تبريز، وإنما نؤكد أننا قمنا ببعض الواجب اتجاه هذا الطود الراسخة معالمه. وأننا وإن أخذ القدر منا بعض من أنفاسه، فإن عيونه التي حرست خطواتنا المتزنة نحو تحقيق المراد، والتتويج بالنجاح، مازالت تلتفت إلى الوراء لتبتسم للطيف العالي المترجل نحو السماء، وبكل احترام نقول لهذا العالم الجليل:
” وداعا أيها الأمل، فبنورك الخفاق، تهتدي الأنفاس، وتهتز المقل، قلوب العطشى تأن قد زادها الشوق يقينا، وكذا الأمل”.
وكباقي المحبين لهذا الشيخ الجليل، نؤكد أن كتابة السير والتراجم للعلماء والصلحاء والنبغاء في شتى العلوم والآفاق، لواجب أخلاقي قبل أن يكون واجبا علميا، وأن التأريخ لهؤلاء الأفذاذ يزيد من احترام العامة لشخص العالم وأدواره الإصلاحية. وأن حاجتنا إلى تثمين أدوار العلماء حاجة ملحة يوجبها علينا الضمير، ويؤكدها لنا الدين والأخلاق، فكما سطرت سير الصحابة والتابعين والعلماء وغيرهم، فإننا كذلك سندون كل من له صلة بالعلم والصلاح، جريا على عادة كل خير في هذه الأوطان، وإنا إن شاء الله لمهتدون.

• المعلومات الشخصية للكاتب:
الاسم الكامل: المودن موسى
الدولة: المغرب
المهنة: أستاذ باحث، كاتب، شاعر
رقم الهاتف: 212603423518+
البريد الإلكتروني: miramoussa49@gmail.com

المراجع والمصادر:
1: رجال من تطوان، لمحمد المسري، وحسن بريش، منشورات جمعية تطاون أسمير، الطبعة الأولى سنة: 2011م، تطوان.
2: إسعاف الإخوان الراغبين في ترجمة ثلة من علماء المغرب المعاصرين، لمحمد السلامي، منشورات مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى سنة: 1992م، الدار البيضاء.
3: معلمة المغرب، لمحمد حجي، الجزء الثامن، منشورات مطابع سلا، الطبعة الأولى سنة: 1989م، الرباط.
4: أعلام شمال المغرب، لعبد الله المرابط الترغي، الجزء الأول، منشورات المجلس العلمي المحلي لعمالة طنجة، الطبعة الأولى سنة 2014م، طنجة.
5: علماء في ضيافة المجلس العلمي، المجلد الرابع، منشورات المجلس العلمي المحلي بطنجة، الطبعة الأولى سنة: 2016م، طنجة.

Sans titre

Sans titre45

عن abdallah

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *