الرئيسية / راي / كلمة المبادرة: القداسة تبرِّر القداسة المضادة ولا تقيم عدلا ولا تبرِّر مشروعية (!!)/أسامة عكنان/الأردن
5

كلمة المبادرة: القداسة تبرِّر القداسة المضادة ولا تقيم عدلا ولا تبرِّر مشروعية (!!)/أسامة عكنان/الأردن

كل من يناضل من أجل قضية فهو يُقَدِّسُها، أي أن كلَّ القضايا مقدسة في نظر أصحابها في المحصلة، حتى وأصحابها يتناحرون فيما بينهم عليها (!!)
فقضية فلسطين مثلا مقدسة في نظر أصحابها، وقضية أرض الميعاد مقدسة في نظر أصحابها هي أيضا (!!)
لا بل إن قضية تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، كانت قضية مقدسة في نظر الجزائريين، وفي الوقت نفسه فإن الإبقاء على الجزائر قطعة من فرنسا، كانت قضية مقدسة بالنسبة للفرنسيين آنذاك، ما دامت القداسة لا تتسم بالحياد والموضوعية، وإنما هي ذاتية محض (!!)
وإذاً ومن هذا المنطلق فلا قيمة موضوعية للتعاطي مع قضايانا من مدخل القداسة، لأن أحدا لا يعترف بقداسة قضيتك إلا أنت، كما أنك أنت نفسُك لا تعترف بقداسة أي قضية غير قضيتك (!!)
وبالتالي فليس من حقك فرض قداسة قضيتك على أحد غيرك مهما كانت المبررات، لأنها في النهاية مبرراتٌ تعنيك وحدك (!!)
أي أن اعتماد القداسة مدخلا للتعاطي مع قضية ما، ينبذها ويفقدها العدالة والمشروعية، ويخرجها من دائرة كونها قضية إشكالية أصلا (!!)
فإذا كنتَ تريد إقناع أحد بقضيتك، أو إذا كنت تريد حَكَماً يفصل فيها بينك وبين خصومك فيها، فعليك أن تخرجَها من دائرة القداسة التي تسبغها عليها، وأن تُكَيِّفَها وفق مُكَوِّنات حَكَمٍ محايد وموضوعي ومتجرد (!!)
ولا محايد ولا موضوعي ولا متجرد أكثر من العدالة، ولا عدالة إلا في العقل والمنطق (!!)
فإن لم تستطع صياغة قضيتك في قوالب العقلانية والمنطق بوصفها تجسيدا للعدالة الإنسانية، فالأفضل لك أن تطويَها وأن تعيدَ دفنها في مقابر أوهامك، لأنك لن تحقِّقَ فيها أيَّ مكسب، ولن تصلَ فيها إلى أيِّ نتيجة (!!)
لا أحد يستطيع منعك من الإيمان بأن قضيتك مقدسة بمعاييرك الخاصة، فهذا شأنك، وبإمكانك أن تعيشَه كما شئت (!!)
ولكن منذ اللحظة التي تصبح فيها قضيتك موضوعا للتجاذب والتناقض مع “الآخر الإنساني”، فإن عليك أن تخرجَها من أثواب قداستها التي تعيشها بينك وبين نفسك، وأن تعرضَها وأن تخوضَها في معترك “الإنساني”، بوصفها قضية “عادلة إنسانيا” (!!)
إن قناعتك مثلا بأن تحرير فلسطين واجب ديني لأن الله أمرك – في تصورك الخاص – بأن تحرِّرَ الأقصى بوصفه أولى القبلتين والمسرى وثالث الحرمين، هذا يخصك وحدك، وبه تبرر لنفسك نضالك لأجل تحريرها (!!)
ولكنك لا تستطيع مواجهة العالم بهذه العقيدة وأنت تناضل لأجل استرجاع فلسطين إن سألك أحدهم: لماذا تفعل ذلك؟! وإنما عليك أن تمتلك كل الأدلة التي تثبت له بها أنك صاحب حق ومعتدى عليك ومظلوم، وأن هذه أرضك وأن هؤلاء غزاة.. إلخ، وإلا فلن يفهمك أحد، لأنهم سيواجهونك بالمثل بقولهم بأن هذه الأرض هي وعد من الرب لأولئك الذين تسميهم غزاة، وأنها كانت لهم، وأنهم طردوا منها، وها هم يعودون إليها.. إلخ (!!)
قيام إسرائيل على المقدس التوراتي، هو الذي برَّرَ تقديس القضية الفلسطينية إسلاميا، وتقديس القضية هو الذي مهد ليهودية الدولة الصهيونية (!!)
كيف نقول للعالم بأن فلسطين لنا لأنها من مقدساتنا بموجب ديننا، ونرفض أن يقول اليهود بأنها لهم لأنها من مقدساتهم بموجب دينهم (!!)
لماذا يجب أن يقتنع العالم بأن ادعاءنا بقداستها الدينية الإسلامية، أولى بتصديقه من ادعاء الصهيونية بقداستها الدينية اليهودية (!!)
مع بالغ الأسف، نحن توراتيون بامتياز، نصيغ قضايانا بروح توراتية تلمودية يهودية، ثم ندعو إلى رفض صياغة الآخرين لقضاياهم بالروح نفسِها، لنكون أبعد الناس عن العقلانية وعن الموضوعية (!!)
إن أكبر تناقض نعيشه هو أننا نفسر ديننا وقرآننا بالمنظور التوراتي قلبا وقالبا بلا تردد أو تحفظ، ثم ندعو بلا أدنى حياء أو خجل إلى محاربة اليهود الذين لم يفعلوا شيئا سوى أنهم فسروا هم أيضا دينهم بمنظورهم التوراتي وفق تفاسير توراتية محددة (!!)
لذلك كان العبث، وكانت الفوضى، وكان التيه، هي مجتمعة عماد أفكارنا وبرامجنا وتصوراتنا الدينية وغير الدينية (!!)
أما الحقيقة فهي أن فلسطين لنا لأنها أرضنا، ولأنها عربية، ولأنها تعرضت للاحتلال، ولأنها يجب أن تعود إلى أصحابها، ولأن العدل والحق الإنسانيين يقولان ذلك، ولأن إسرائيل مشروع استعماري إمبريالي، ولأن الصهيونية أداة الرأسمالية العالمية تستخدم المقدس الديني كما نستخدمه معظمنا ولا فرق، ولأن الدول والحقوق والهويات السياسية لا تتشكل على أسس ومرجعيات دينية لا قيمة لها إلا عند معتنقيها والمؤمنين بها.. إلخ (!!)
القداسة تبرر القداسة ولا تقيم عدلا ولا تبرر مشروعية، فالعدل لا يقيمه إلا العدل، والمشروعية لا تبررها إلا المشروعية..
رفعت الأقلام وجفت الصحف (!!)

5

عن addiar attounissia

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *