الرئيسية / اخر الاخبار / جُلّنَارْ” نشيد الأمل لعبد الجبّار العشّ خيرة بلقصير-الأردن

جُلّنَارْ” نشيد الأمل لعبد الجبّار العشّ خيرة بلقصير-الأردن


سأبدأ تعريف عبد الجبار العشّ كما يحلوُ له وقد وجدته التّعريف الأقرب إلى عذوبة طقسه الفريد والأقرب إلى الأسطورة حيث يقول” أنا من مواليد صفاقس قبل يوم من استقلال الصّومال، قبل أربعة أشهر من ولادة دياغو مارادونا وعام من اغتيال باتريس لومومبا وقبل سبعة أشهر من رحيل الشاعر بيرم التونسي”,, عبد الجبار العشّ روائي وشاعر من مواليد تونس 1960
في قصيدته جلّنار يصف نفسه بمرارة الدّفلى وزهو وردِها …
أنا اليافع السّامع الطّالع الرّائع ؟ !
هل يجرؤ الموت علينا ؟ أنا لم أزل ..
أؤجّج جمرة الفرح الذاوية ..
أوبّخ الحزن ..
وأصفعه بالأغاني
***
جُلنار
أبوك غامض كرائحة االبحر
والجرار القديمة
أبوكِ مجبول من رائحة التراب
بُعَيدَ المطر
أبوك زيتونة برعمَت على ضفة الوادي
وما ركضَت
حينما السيل هدر
أبوك وشم على جبين الصخور
شجر على كتف الجبال
صدف على خد البحار
وعلى ضفائرك دُرر
إنه ابن صفاقس ،خيط أبيض ينسلّ بما يسمى الكتابة بالنّشيد، جنون تلك المدينة المسجاة على مدخل القصيد، شاهقة بالياسمين، لله درك أيتها الروائح أليست هي المدينة ذاتها التي أنجبت قيثارة لها تلاحين مستحيلة ومنازل الشّوق؟، صفاقس مبرومة كالعقد حول الأسئلة التي تجتاحني الآن عن أديب شائك موغل، الدّهشة وجبته اليومية ،شرس، نمر متربص باللّغة، وبأرانب الأحلام، عبد الجبار العشّ ورطة مجازية لا يمكن أن تنجو من كثافة وجوده إلا وأنت مصاب بدم القصيدة أو مبتسما مثل الشّهيد..ذلك المجاز المفخّخ بعبقرية الأنا الموجعة المزهوة كرحلة نصّ غارق في النّداء والصّراخ واحتفالية الأضداد. أكاد أجثو على ركبة الوطن الخيالي وأطرّز من النّحيب مناديل لائقة لتنتشي تلك الذائقة بعيدا عن بؤس المجازات الفارغة.
عبد الجبار العشّ ذلك الكائن الجريح المتمرد بخاصيته البلاغية في تعرية اللغة ،المنتفض دوما بنصوصه ضدّ القهر وضدّ الكينونة المنتهكة في عملية معقدة لإعادة مجد الملاح لبراءتها الأولى.
تلك جُلّنار دلالة قصوى لوطن غضّ يافع بسُكّر الأمنيات …
جُلّنار :
كان في بلد بعيد
ملك وحاشية وعبيد
كان الملك يأكل السّحب
إذا جاءت .. وإن فرّت
يلاحقها كليث جائع رعديد
صارت الأمطار لا تأتي
وغدا الورد معتلاّ
حزينا في صباح العيد .
جلّنار أجمل قصائد تونس إن لم تكن من أجمل ما كتب في القرن الحالي بعجائية ودهشة خارقة غير مسبوقة، قصيدة الحدس والتّشويق ،قصيدة تذرّ الملح على جراح الوطن ووجود الإنسان ، قصيدة عملاقة ببلاغتها والاستثنائية والفرجة، فانتازيا من السّرد المبهر المرصوص نداء بنداء، وصراخ بصراخ..
جلّنار .. جلّنار
لا تنامي
فأنا لست أدري
من أيّ ثقب يرمقني الموت
لكأنّني أخشاه الجبان ؟ !!
ها قد أتى حزني أخيرا
متوسّلا .. متردّدا .. متحفّزا
كلّما اختلجت دموعي
كلّما نبشوا القبور
كان يأتي …
ويبكي عند بابي كالغريب !
وأنا لا أنكر عطفي عليه
كلّما كسرت ضلوعي
قبضة الشّهداء
أو كلّما طُوّق حلمي
بالعواء والنّعيب …
هو الحزن يا جلّنار
يفاجئك في زقاق مقفر
يصوّب رصاصة الكآبة
… ويفرّ كالجبناء ! .

جلّنار حالة متشابكة تمنحك التّفاعل مع كلّ مقطع ، كتابة غير نمطية لها ذلك الحبور اللاإرادي واللّمعان خارج الكلاسيكية المتعفنة ، إنها لعنة الشعر وذروة معانيها، قصيدة مفعمة بالتّأويلية الجامحة للأشياء، بطولة من الصّور والأحداث المنهكة في لغة خارجة عن طورها لتكون الأقرب إلى عملية النّحت تلك الشعرية الفاتنة بملح الرغبات وسرد الأحجيات..
جلّنار .. حثّي خُطاك
ولا تقفي
ولو نزفت قدماك .. واحلولكَ القفر ُ
وإن جعت …
فكلِي الأعشاب الأحجار
كلي من التّراب من الجيّف،
جلّنار .. لا ترتجفي .. من الموت
فالموت كلّما رأى الأطفال ينشدون

يغدو جبانا ..
… فلا يقوى حتّى على النّظرِ ….

تلك لعبة إثارة المختلف وطعن الجهات وهوامش لشد انتباه ثقافة عذبة في منهجها فهي جمة بالخيال غير المؤدلج ، لكل مفردة نصيبها من الحياكة المتأنية بأبوة عالية وصارمة لإدلاء ذلك الوجع المتعدد ،المتنافر، اللامتقيد..
جلّنار
أبوك غامض كرائحة االبحر
والجرار القديمة
أبوكِ مجبول من رائحة التراب
بُعَيدَ المطر
أبوك زيتونة برعمَت على ضفة الوادي
وما ركضَت
حينما السيل هدر
أبوك وشم على جبين الصخور
شجر على كتف الجبال
صدف على خد البحار
جلّنار عندما يتنفس الموت وتقوّض الحشرجات بتوابل تتكتّم على تلك الصّور وتسرب فحيحها في لعبة الكلمات والغياب والموت..
وجلّنار تأتي ..
تباغت الموت
فترتبك الطّبيعة .. وترتعد …
جلّنار تأتي ..
من نزعة التّدمير عند العاصفه
جلّنار .. برعم سروة
يدفع الصّخرة
كي يمدّ قامته عاليا
تأتي …
حينما يغفو الحريق
فتضيء اللّيل .. وتتّقد …
الموت المقنّن في زجاجة العدم، سهر على عضد اللّغة الذي تبيّت عالما محموما..بالسّرد
حزن يفركه بين أنامله نعناعا مشعا بالفصاحة يقدمه عبد الجبار العشّ في شكل متطور من حيث البنية والتراكيب وجزالة اللّغة التي تفتت الغامض لتدوين تلك الحرية المسلوبة وذلك الحزن الكبير الذي يعتري أسلاف القصيد ،جلنار نفس طويل، حراك مغامر ،ذلك الشاعر الذي لا يغادر قصيدته الفسيفساء في أرجائها كلّ شيء حيّ، مفارقات لغوية ذلك الانتداب السّاحر لجزالة الجمل ورنينها حنجرة ترتّب أعطالها منذ الأبوة التي تئن بقلب عادل.
وتفاجئني جلّنار …
ابنة فرحان المتفائل
.. في كوخ الحزن .
تغسل أحزاني بعينيها
وتفجّر صوّان الصّمت
ببارود أغانيها
أواري وجهي !
فتحرّضني على دمه ..
أنصاع في حضرتها وأمتثل
فأشحذ سكّين العشق
على حجارة يديها
وأشهره في وجه الحزن ..
فيبكي .. ويلوذ بخوفي وجنوني
أحبّ جلّنار نصّ بيقظة النداء الذي يرتقي إلى مستوى فنيّ عميق يقشّر فيه الواقع مظهرا فيه ذلك الحب الاستثنائي للوطن بخاصية فريدة من نوعها إنها الوجدانية العالية وسمو بشرعية الكلام لأعلى درجات الانبهار، فلنص حرقته وتفانيه في اختراق الدمار الذي يشوب ساحة الطفولة وبريق الكهولة.
الرّكض كالوعول
وأنا من عشقي للرّيح قد أجن
… هي تركض …
مثلما وحيثما تريد
فتعبر البحار والصّحاري والمدن …
أنا أحبّ الرّسم والأشعار والموسيقى والكتب
وتؤلمني الحقول ..
حينما يشقّق الجفاف خدّها
فتهزأ لجدبها السّحب !
أنا أحبّ قبضة العمّال
حينما تلوي عنق الحديد
وتخضع الجبال
وتنطق الخشب …
لكنّما يؤلمني ..
أن ينام خالق الحياة جائعا
ويجمع الكسالى من شقائه الذّهب !
أنا جلّنار ..
أحبّ كلّ ما يُحَب
هكذا هو العشّ حالة اسثنائية، للوهلة الأولى يباغت المشهد الأدبي حالة تعيش خارج السرب والقطيع بنضال وصدر عار يُجابه الظلم وهو يحمل سلاح الكتابة في تماهٍ نادر بين الفكرة وبين تلك الركلات القوية التي يعشقها العشّ فطالما كان عشب الملعب قصيدة أخرى يجوبها في خفاه وبقلب متنكر…فما جلّنار الاّ حالة قصوى لمتابعة الواقع ومحقه واسترداد عافية الأمل من واقع تكتسحه السياسة وقمع الحريات..
جُلنار حبكة من الأحداث النابعة من خلفية واقع مزري متردي قصيدة منصهرة في ذات شاعر جريح بجناحيه محققا موقفا تاريخيا خارج الهوامش ومحتفلا بأماكنه السّرية رافعا صوته صادحا…..جُلّنارجُلّنار
unnamed22

عن abdallah

شاهد أيضاً

التحية العسكرية الأخيرة:المهدي عثمان

التحية العسكرية الأخيرة   يَمشي كحصان أُحيل على شَرَف الخِدْمة كان يَجُرّ ذاكرته الملأى بعربات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *