الرئيسية / ثقافة / الغوَاتِيمَالي أوْغُوسْتُو مُونِتيرُّوسُو كان رائداً فى الإبدَاع السَّاخِر فِى الأدَب الأمرِيكيّ اللاَّتِينيِّ المُعَاصِر مدريد – د. محمّد محمّد الخطّابي*

الغوَاتِيمَالي أوْغُوسْتُو مُونِتيرُّوسُو كان رائداً فى الإبدَاع السَّاخِر فِى الأدَب الأمرِيكيّ اللاَّتِينيِّ المُعَاصِر مدريد – د. محمّد محمّد الخطّابي*

الكاتب الغواتيمالي القاصّ أوغوستُو مونتيرُّوسُّو خلق ببراعة فائقة من الخرافات،والحكايات، والأساطير قصصاً قصيرة إعتُبِرت لدى العديد من النقاد في العالم الناطق باللغة الإسبانية من أجمل، وأطرف ما كُتب في الأدب المعاصر فى هذا الصّنف من الفنّ الإبداعي الطريف ،ويكاد يُجمع هؤلاء النقّاد أنّ هذا الكاتب يُعتبر- والحالة هذه – من أقطاب كُتّاب القصّة القصيرة في الآداب المكتوبة باللغة الإسبانية ، ليس في أمريكا اللاّتينية وحسب، بل في العالم أجمع.
الناقد والكاتب المعروف “إيتالّو كالفينُو” الكوبي المولد والمنشأ، والإيطالي الأصل صاحب رائعة “البارون رامبانتي” أو “البارون المتسلّق”، ورواية” المدن اللاّمرئيّة” يقول عنه فى هذا السّياق : ” تُعتبر القصص القصيرة التي أبدعها أوغوستُو مُونتيرّوسُو بدون منازع من أجمل القصص في العالم، لقد كان هذا الكاتب بحقّ ظاهرة فريدة لا تتكرّر في عالم الآداب المكتوبة بلغة سيرفانتيس ، كان رائداً لآداب السُّخرِيّة فِى بُلدَان أمرِيكَا اللَّاتِينيّة، ومعروفاً في كتاباته ، وقصصه، وحكاياته بالإيجازالمُوفي البليغ، ومُجيداً فى الإختصار البارع “.
فى شهر فبرايرالفارط حلّت الذكرى الرّابعة عشرة لرحيل هذا الكاتب المتميّزالذي ينحدر من أصلٍ غواتيماليّ، والمولود في الهُوندوراس فى 21 ديسمبر1921، والمتوفّىَ بالمكسيك فى السّابع من فبراير2003).

كان مُقلاًّ فى كلامِه
الكاتبة الاسبانية المعاصرة الرّاحلة “أنا ماريا ماتّوتي” الحاصلة على جائزة سيرفانتيس، (أعلى تكريم في الآداب الناطقة باللغة الإسبانية): تقول عنه ” كان مونتيرّوسُو شخصية أدبية فريدة في بابها، كان شخصاً إستثنائياً في عالم الإبداع الأدبي، كانت قصصه القصيرة مبطّنة فى معظمها بالسّخرية والتهكمّ اللاّذعين،وكانت كلماته، وتعابيره، وأسلوب كتاباته في قصصه تبدو للقارئ وكأنّها شِعر منظوم، فلا زيادة فيه، ولا نقصان،بل كانت كلمات قصصه منحوتة كمرمر موضون، لا حشو يعلوها ولا إطناب، إنه كان يقول الكثير بإستعمال القليل الموجز من الكلمات، لم يكن مُقلاّ فى كتاباته وحسب، بل كان مُقلاًّ فى كلامه كذلك، مثلما كان مقلاّ وضئيلاً في هيئته ، كان قميئَ القامة، سمينَ الجسم،ولكنّه كان رقيقَ النفس ، طريفَ الرّوح، وكان لون وجهه ورديّاً مثل الأطفال”.

أمّا الرّوائي والشاعر الكولومبي الكبير الرّاحل ألفارو موتيس فيقول عنه : ” تعرّفتُ على أوغوستو مونتيرّوسّو عام 1956 عندما وصلتُ إلى المكسيك قادماً من بلدي كولومبيا، كان كاتباً جيّداً، وعالماً ضلّيعاً في فقه اللغة الاسبانية، كنا نمضي ساعات طويلة ونحن نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية، ونستمتع بقراءة رائعة سيرفانتيس ” دون كيخوته دي لا مانشا “، لقد أعجبتُ إعجاباً كبيراً بأسلوبه الأصيل الذي يميّزه الوضوح ،وتطبعه المرونة والمرح، ويتّسم بالنفاذ،والزخم والقوّة، وعدم الإلتواء، كان معروفاً بأسلوبه الشخصي، لدرجة أنه في إمكان القارئ الجيّد أن يميّز،ويتعرّف على أسلوبه،وقصصه حتى وإن لم يكن إسمُه مكتوباً إلى جانب أعماله الإبداعية أو الأدبية”.
بُورْخِيسْ رُولْفُو ومونتيرّوسُّو

كثيراً ما يقارن أو يشبّه النقاد كتابات أوغوستُو مُونتيرّوسُّو بالأديب الأرجنتيني الكبير الرّاحل خورخي لويس بورخيس، فى إعتماده،ورجوعه،وإغترافه، ونهله من بعض الخرافات، والأساطير، والحكايات، والقصص الغريبة،والمرويات الشعبية المتوارثة، ممّا جعله يخلق له عالماً أدبياً متميزاً خاصّاً به، يقوم على إنتقاداته اللاّذعة للمجتمع، والملاحظات الذكيّة الدقيقة،الموفية والبليغة لبواطن الأمور. كما أنّ العديد من معاني قصصه، ومضامينها مُستخرجة، ومُستقاة، ومُستوحاة في معظمها من الأمثال السّائرة، والحِكم المأثورة، والأشعار البليغة، والمرويّات الغرائبيّة، بل و منبثقة من صلب المجتمع ذاته، إنه يحوّل كل ذلك إلى نصوص بالغة وبارعة فى الإيجاز تقوم أساساً على التهكّم والإزدراء، والسخرية المرّة من مظاهر الحياة ومفارقاتها، و تبدوهذه الأعمال القصصية الإبداعية فى مجملها وكأنها تنظر إلى المجتمع بمِجهر دقيق، وتشرِّحه بمبضعٍ حادّ.
كان الكاتب المكسيكي القاصّ المعروف “خوان رولفو” يقول عن قصصه،وعن فنّ كتابة القصّة القصيرة بشكلٍ عام : “القصّة القصيرة.. ضرباتُ فأسٍ هنا وهناك، وعملياتُ مراجعةٍ، وحذفٍ، وإضافةٍ، وطرح، وجمعٍ، والقصّة لها فرصة واحدة في الزّمان والمكان، و يتقرّرحظّها في الحين مباشرة بعد مرحلتين إثنتين : كتابتها، ثمّ قراءتها. فأيّ طلبٍ، أو تعديلٍ، أو إضافةٍ ،أو وصيّةٍ لاحقةٍ،أو تفسير،ٍ أوشرحٍ، أو تنميقٍ أسلوبيّ لها لا جدوى منه،بل إنّ ذلك كله قد يفسدها “. (أنظر مقالي فى” القدس العربي”حول هذا الكاتب بعنوان : “خوان رولفو: صانع العجلات المطّاطية الذي إرتقى إلى مصافّ سوفوكليس” العدد7286 الإثنين 19 تشرين الثاني”نوفمبر” 2012).

من أقطاب السّخرية فى آداب أمريكا اللاتينيّة

الكاتب والرّوائي البيروفي المعروف” ماريو بارغاس يوسا “( الحاصل على جائزة نوبل فى الآداب ) كانت تربطه صداقة متينة بالكاتب أوغوستو مونتيرّوسُو منذ سنوات عديدة وبعيدة ،إنه يقول عنه : “كان مونتيرّوسو رجلاً لطيفاً، طيّبَ المعشر،خفيفَ الظلّ،سريع البديهة، إنه واحد من هؤلاء الكتّاب القلائل المعاصرين الذين أعتزّ بمعرفتهم. كان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً، يميل للسّخرية، وهو من أقطاب النقد المبطّن بالتهكّم اللاذع فى الأدب الأمريكي اللاّتيني المعاصر، ومونطيرّوسُو معروف بتضامنه، وتعاطفه مع المُستضعفين ،والعَسيفين،والمُهمّشين،والكادحين كان معروفاً بأسلوبه المرح الخاص به، وبكتابة نصوص أدبية مفرطة فى الإيجاز، إلاّ أنه كان يجعل من هذه النصوص على قصرها،وإقتضابها، وقلتها تتفجّر بالأفكارالنيّرة، وتحفل بالمعاني الكبيرة، وقد خلّف لنا عالماً أدبياً متميّزاً له بصمته الخاصّة به ،وبطريقة كتابته، ونوعية وجمالية أسلوبه، إنطلاقاً من القصّة القصيرة،والقصّة القصيرة جدّاً بالذات”.

الكاتب والرّوائي المكسيكي الكبير الرّاحل ” كارلوس فونيتيس” كان من جهته من أشدّ المُعجبين كذلك بأوغوستو مونتيرّوسُو، إنه يقول عنه : “كان معروفاً بروعة نصوصه، بل لقد كتب أجملَ النصوص في الآداب الأميركية اللاتينية في القرن العشرين، فما كان يتطلب منّاّ كتابته في مئة صفحة، كان مونطيرّسو يُوجزه في صفحة واحدة أو فى عبارة واحدة “.

أقصوصة الدّياناصور..

واشتهر أوغوستو مونتيرّوسو بأنّه كاتب أو صاحب أقصر قصّة قصيرة جدّاً في العالم، وهي تحت عنوان: “الدّيناصور” وهي كما يلي: ( عندما إستيقظ ،كان الديناصور ما يزال هناك…) !.
هذه القصّة القصيرة للغاية على قِصَرها، وصِغَرها ، وإيجَازِها الشديد تجنح بفكر القارئ، وتثير فضوله وتطلّعه، وترخي العنان لخياله في عالم بحافل الرموز،والإشارات، والإيماءات، والإيحاءات والمجاز . وقد كُتب عنها الشئ الكثير بمختلف اللغات، كما قيل في حقّ هذه الأقصوصة أنّ تفاسيرها، ومجازاتها لا حصر، ولا حدّ،ولا حدود لها ،إنها مثل الكون ذاته. وتجدر الإشارة فى هذا القبيل إلى أنّ هناك أقصوصة أخري قصيرة جدّاً عنوانها”المهاجر” يزعم بعض النقّاد(وهم قلّة) أنها أقصرمن قصّة مونطيرّوسو وهي للكاتب المكسيكي ” لويس فيليبي لوميلي” وهي كما يلي:(هل نسيت شيئا ؟ أتمنّى) . ” ولكنّ معظم النقاد الثقات (وهم كثر) يجمعون أنّ هذه الأخيرة لا ترقىَ إلى مستوىَ وعمق ورمزيّة أقصوصة ” الدّيناصور” . التى طبّقت شهرتها الآفاق،وما زالت تعتبر إلى يومنا الحاضر من أقصر الأقاصيص القصيرة جداً التي كتبت فى العالم الناطق بلغة سيرفانتيس وربما فى العالم أجمع إلى يومنا هذا .

الزّرَافة التي أدركتْ أنّ كلَّ شئٍ نسبيّ..!
ونقدّم للقارئ/القارئة الكريمين فى ختام هذه العجالة نموذجاً للقصص القصيرة عند هذا الكاتب الفريد، وهي بعنوان: “الزرافة التي أدركت أنّ كلّ شئ نسبيّ”.. ! وهي كما يلي:

(منذ زمن بعيد، وفي بلد ناء، كانت تعيش زرافة ذات قامة متوسّطة، كان بالزرافة غفلة، إذ خرجت ذات يوم من الغابة وتاهت، فلم تدر أين تسير ولا أين تتّجه، فصارت تمشي على غير هدى من هنا الى هنالك، حاولت البحث عن طريق العودة فلم تهتد إليه، وهكذا، ظلت تتجوّل في أرض الله الواسعة، حتى وجدت نفسها في فجّ بين هضبتين حيث كانت تدور رحى معركة حامية الوطيس. على الرّغم من أن عدد القتلى كان مرتفعا في الطرفين، لم يستسلم المتحاربان، ولم يسمحا بالتفريط في سنتيمتر واحد من الأرض التي كانا يذودان عنها. كان الضباّط يحثّون جيوشهم على الصمود والإستمرار في القتال بضراوة، والسيوف مرفوعة إلى أعلى، في الوقت الذي كان الثلج يكتسب اللون الأرجواني بدم الجرحى. وبين تصاعد الدخان، ودويّ المدافع وضجيجها كنت ترى الموتى يتساقطون في صفوف الجيشين الذين يسلمون الروح في كل حين.

الأحياء كانوا مستمرّين في إطلاق النار بحماس منقطع النظير، وهكذا حتى يأتي دورهم هم الآخرون في السقوط، إلا أنهم كانوا في تلك اللحظات يضعون في حسبانهم أنّ التاريخ سوف يذكرهم بفخرالأبطال، لأنّهم كانوا يهبون أنفسهم دفاعا عن شرف علمهم، أخذ التاريخ بالفعل إقدامهم وشجاعتهم بعين الإعتبار، وكان عادلا، فقد حكم وقضى بالقسطاس لصالح الطرفين بأنهم أبطال، إذ كل طرف كان يكتب تاريخه الخاص، وهكذا أصبح “ويلنغتون” بطلا مغوارا بالنسبة للإنجليز، وأصبح “نابليون” بطلا مقداما بالنسبة للفرنسيين. إستمرّت الزرافة في المشي ، حتى وصلت إلى جانب من الفجّ حيث كان هناك مدفع كبير.

وفي تلك اللحظة ذاتها إنطلقت رصاصة طائشة مرّت بالضبط على بعد عشرين سنتيمترا من رأسها من الجانب الأعلى، وعندما رأت الزرافة الرصاصة تمرّ بالقرب منها، وبينما كانت تتابع بنظرها طريقها، فكّرت وقالت :
الحمد لله الذي لم يخلقني طويلة القامة أكثر ممّا أنا عليه، إذ لو كان عنقي يزيد ثلاثين سنتيمترا فلا بدّ أنّ الرصاصة كانت قد أصابتني في رأسي. والحمد لله كذلك على أنّ هذه الجهة من الفجّ، حيث كان يوجد المدفع، ليست منخفضة أكثر ممّا هي عليه، إذ لو كان إنخفاضها يقل ثلاثين سنتيمترا لكانت الرصاصة قد أصابت رأسي، ثم أردفت قائلة: الآن فقط فهمت أنّ كلّ شيء نسبي). (**) .
أوغوستو مونتيرّوسُو حاصل على جائزة” أمير أستورياس الاسبانية في الآداب “، التي تُعتبر من كبريات الجوائز الأدبية فى إسبانيا وفى اللغة الإسبانية على العموم إلى جانب جائزتي ” سيرفانتيس” و” بلانيتا” . هذا كما سبق له أن حصل على” جائزة الكاتب المكسيكي الشهيرخوان رولفو” فى القصّة القصيرة التي تعتبر من أكبر الجوائز الأدبية في الآداب الأميركية اللاتينية والكاريبي. يُضاف إلى ذلك جائزة الآداب الوطنية في بلده الأصلي غواتيمالا بالإضافة إلى جوائز أدبية أخرى عالمية عديدة .

(*) – كاتب، وباحث ،ومترجم،وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا.
(**) – هذه الأقصوصة من ترجمة صاحب المقال عن اللغة الإسبانية ،وهي مُدرجة ضمن كتابه أنطولوجيا القصّة القصيرة في أمريكا اللاّتينية تحت عنوان:”عدالة الهنود وقصص أخرى”(ثلاثون قصّة قصيرة من الأدب الأمريكي اللاّتيني المعاصر) ،الصّادر عن المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومي للترجمة – القاهرة، عام 2001.

unnamedيبلاتنم

يبلاتن

يق

عن abdallah

شاهد أيضاً

التحية العسكرية الأخيرة:المهدي عثمان

التحية العسكرية الأخيرة   يَمشي كحصان أُحيل على شَرَف الخِدْمة كان يَجُرّ ذاكرته الملأى بعربات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *