الرئيسية / اخر الاخبار / تونس : من أزمة حكومة إلى أزمة حكم ؟

تونس : من أزمة حكومة إلى أزمة حكم ؟

أثارت مبادرة رئيس الجمهورية بالدعوة إلى حكومة وحدة وطنية جدلا كبيرا و لقيت استحسانا من الطبقة السياسية و اهتماما كبيرا من النخب المثقفة و متابعة إعلامية .وباتت جميع القوى السياسية تمنى النفس بالمشاركة في هذه الحكومة . ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هل فعلا تونس في حاجة إلى حكومة وحدة وطنية ؟ و هل تعيش تونس فعلا أزمة حكومية ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال يقتضي بالضرورة النظر في الواقع السياسي التونسي و ما انجر عنه .
إن الواقع السياسي التونسي مأزوم و أوجه الأزمة متعددة . ففي الجانب السياسي تظهر الأزمة في تشظي الحزب الحاكم الذي لم يعد يمتلك الأغلبية البرلمانية و بالتالي لم يعد البرلمان يعكس اختيارات الناحب التونسي و تحولت الأغلبية للنهضة التي تعرف كيف تستفيد من الأوضاع و باتت المهندس الأول للسياسية الداخلية لتنفيذ أجندات خارجية تهدف إلى إعادة تنظيم الإخوان المسلمين إلى الساحة السياسية العربية بعد أن فقد بريقه من خلال المراجعات التي قامت بها في مؤتمرها الأخير و باتت تحكم تحت غطاء نداء تونس .
وتتعمق الأزمة في تركيبة الحكومة التي انبنت على المحاصصة الحزبية بين اربع احزاب بعضها نال فوق ما يستحق و بات الجامع بينها التواجد في الحكم أكثر من البحث عن الحلول و تزداد الأزمة بوجود رئيس حكومة مستقل لحكومة سياسية بالأساس . فالصورة التي أنتجتها حكومتنا هي وزراء مدعومين بأحزاب و رئيس حكومة مستقل مما يجعل رئيس الحكومة اقل تأثيرا من وزرائه و يجعل الوزراء المتحزبين يشعرون بنوع من التعالي على رئاسة الحكومة مما يدفع كل وزير إلى التصرف من تلقاء نفسه في وزارته و لا يعود إلى الحكومة كما هو الحال في حالة ناجي جلول أو غيره …
وطبعا هذا الاضطراب السياسي انعكس سلبا على الجانب الاجتماعي و الاقتصادي و عجزت الحكومة عن إيجاد حلولا حقيقية لمعضلة الاقتصاد و التجأت إلى الحل الأسهل وهو التداين الخارجي .
إذا الأزمة في تونس حقيقة . وهي ليست أزمة حكومة و إنما أزمة حكم .. فالفرق كبير بين أزمة الحكم و أزمة الحكومة . اذ عندما نتحدث عن الحكم تطرح الأسئلة التالية: كيف نحكم ؟ ووفق اي منهج ؟ و ما الغاية ؟ و لكن عندما نتساءل عن تركيبة الحكومة فإننا نسأل عن مكوناتها و دعمها برلمانيا . و بالتالي ندخل مجال المحاصصة .
و بالتالي فالحديث عن حكم يقودنا الى الحديث عن برامج و خطط و سياسات و اجراءات و بحث عن حلول و بالتالي سيكون دور من يحكم مقتصرا على تنفيذ تلك البرامج و يقاس نجاحه بمدى قدرته على تنفيذها و تحقيق مردو ديتها و لكن متى كانت الحكومة قائمة على سؤال من يحكم سيكون الهاجس تركيبتها .
لذلك فان التفكير في حكومة وحدة وطنية لا يعدو ان يكون إلا مناورة سياسية الغاية منها تشريك إطراف سياسية أخرى في أزمة كان الرباعي الحاكم الصانع لها . كما ان الممارسات السياسية لحكومات مابعد الثورة تؤكد بما لا يده مجالا للشك جهلها بمفهوم الحكم . لان الحكم ليس مجرد تولي منصب لتسيير الشأن العام و الإشراف على دواليب الدولة .
يعد مفهوم الحكم من أكثر المفاهيم التي أثارت الجدل في العصر الحديث و في جميع النظريات السياسية حيث مثّلت طرائق الحكم تحدياً فعلياً أمام منظري الفكر في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لوضع أسس فكرية تتمحور حول المفهوم والمقصد الفعلي له لوضع الخطط والطرائق المناسبة للوصول لفعالية قصوى في معايير التقييم الخاصة بقياس مستوى الأداء الرشيد في سياسات الدول أو الشركات أو المجتمعات.
وبالرغم من الإشكالية التي تكتنف تاريخ ظهور هذا المفهوم، إلا أنّه حاز على اهتمام واسع من ناحية التنظير في الجانب الاقتصادي التنموي خاصة أكثر من الجوانب الأخرى ذات الصلة، ولعلّ الجانب السياسي من أكثر المحاور التي افتقدت لمثل هذا التنظير الفكري والفلسفي، وغالباً ما كان المدخل الاقتصادي لتحليل هذا المفهوم هو البوابة لمناقشة آليات الحكم في الميدان السياسي.
دور المجتمع المدني ومقدار الثقة العامة في المؤسسات الحكومية وآليات عملها، ومنظومة الفساد، ودرجة الوعي بمفاهيم العدالة الاجتماعية، واحترام مبادئ حقوق الإنسان، ومدى استجابة الحكومات لمطالب الشعب، واللامركزية في أنماط الحكم الداخلي، ومشاركة القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية بشكل متوازن في عملية اتخاذ القرار، إلى جانب نوعية الحياة التي توفرها الدولة بمختلف قطاعاتها لمواطنيها، والآليات التي تعتمدها السلطة في تحقيق الشفافية ومبدأ الإفصاح، ومقدار التوافق الوطني داخل المؤسسات الحكومية، إلى جانب مستوى الهشاشة في الدولة، كلها معايير أساسية تساهم في رصد مستويات ونسبة الحكم الرشيد من الناحية السياسية في أي مجتمع من المجتمعات.
الحكم الرشيد مرتبط بشكل وثيق وعضوي بمفاهيم أساسية لابدّ من توافرها في أي مجتمع من المجتمعات، منها التنمية المستدامة، والإدارة القوية الملتزمة بقوانين غير قابلة للتأويل في المجال الإداري، وكذلك مفهوم الشرعية، وفعالية تطبيق القانون من جانب أجهزة الدولة التنفيذية، والمشاركة الفاعلة من الأفراد والمجتمعات الفرعية والمؤسسات الخاصة وقدرة المجتمع على التطور وإحداث التغيير.

و كي يكون الحكم الرشيد ذو فعالية ويملك إمكانية التطبيق العملي في الميادين المختلفة لابد من توافر عدد من الشروط الأولية في بنية الدولة المؤسساتية كوجود قيادة مميزة ومرنة في رأس الهرم السلطوي أو الإداري، وضرورة وجود قوانين وأنظمة وتشريعات ولوائح متداولة ومتعارف عليها تمتاز بالشفافية، إلى جانب وجود مشاركة مجتمعية فعالة من مؤسسات المجتمع المدني سواء كانت هذه المؤسسات أفراداً أو جماعات.
وبحسب الأمم المتحدة وبرنامج الإنماء التابع لها، فإن الحكم الرشيد يتمحور حول ممارسة السلطة السياسية لأعمالها ضمن معايير محددة تفضي لتحقيق التنمية المستدامة، وتنمية الموارد القصيرة والطويلة الأمد، وتوفير معايير النزاهة والمساءلة، واحترام المصلحة العامة والمحافظة عليها.
ووفقاً لهذا المنظور الأممي للحكم الرشيد فإن وظائف الدولة الحديثة تتمحور حول عدّة نقاط وتفصيلات يمكن من خلالها الاستدلال على جذر وأصول العملية الإدارية للسلطة في تسيير شؤون البلاد ومواردها. هذه الوظائف تتلخص في بحث الدولة الدؤوب لتأسيس دولة القانون والمؤسسات وفق نظام مؤسسي ديناميكي يبعتد قدر الإمكان عن الهرمية العامودية في عملية اتخاذ القرار السياسي أو الإداري، ووضع خطط تنموية بعيدة الأمد تمتاز بالوضوح والمرونة للتكيف مع الظروف والمستجدات الداخلية منها أو الخارجية، والسعي الحثيث لتوفير عنصر المشاركة الفعالة من قبل جميع المساهمين في عملية التخطيط وجمع المعلومات واتخاذ القرار، وبذل الجهود الكفيلة لفرض سيادة القانون وحكمه على كافة الهيئات والتشكيلات المجتمعية (العامة والخاصة)، ومن ثم العمل وفق محددات تفضي لخدمة المجتمع ككتلة متكاملة أو على الأقل كتكوينات مجزأة تتلاقى في النهاية في تحقيق غرض أساسي هو المصلحة العامة.
هذه الوظائف يمكن الحكم على مدى مساهمتها في تثبيت دعائم الحكم الرشيد من خلال عدد من المحددات التي تمثّل ثمرة تطبيق الدولة لوظائفها المذكورة آنفاً، تتمحور هذه المحددات حول تأصل مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص لكل أفراد المجتمع، والمقدار الذي تلبيه الدولة لتحقيق حاجات المواطنين المختلفة، وأخيراً مدى الفعالية التي تتمتع بها لجان المحاسبة العاملة داخل الهيئات والمؤسسات.
ويتمظهر الحكم الرشيد :
في المجال السياسي: تتلخص ممارسة الحكم الرشيد في السياسة برسم السياسة العامة للدولة وشكل العلاقات الداخلية والخارجية، بالكيفية التي يتحقق بها الاستقرار والأمن والتنمية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
في المجال الاقتصادي: يتمثل الحكم الرشيد اقتصادياً من خلال عمليات التخطيط والاختيار والمفاضلة العقلانية بين البدائل المطروحة لكل خطّة اقتصادية، واتخاذ القرار في القضايا التي من شأنها تطوير وتنويع النشاط الاقتصادي للدولة بما يحقق الرفاهية وحياة أفضل للإنسان.
في المجال الإداري: الحكم الرشيد في هذا الجانب هو القرار التنفيذي الذي يتعلق بالحياة الاقتصادية والسياسية والتنموية وحقوق الإنسان وكرامته، وفق الرؤى المرسومة والمتوافق عليها بشكل مسبق.
و يمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تعزز الحكم الرشيد في مختلف المجتمعات، من خلال أداء دور حاسم في الكثير من القضايا المحورية والمفصلية في المجتمع الذي تنشط فيه، فإما أن تكون أداة تدعم دور السلطة في دولة ما من أجل تعزيز مفاهيم الديمقراطية، والحقوق المدنية والشفافية والمساءلة والمحاسبة أو أن تلعب الدور المعاكس، لأن المجتمع المدني يمكن أن يمارس دوراً مهماً في توطيد ركائز الحكم الرشيد عبر تنفيذ حملات توعوية مستمرة، تعزّز أطر التعاون والتفاعل ما بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع وأفراده، من خلال توفير المعلومات وبالاتجاهين، وخاصة في القضايا الحاسمة وذات المساس المباشر بحقوق الإنسان وحرياته.
إن التأسيس لحالة الاتفاق في الأعمال العمومية التي تؤديها الإدارة سواء كدولة أو مؤسسات أو جماعات أو مجتمع مدني تجسّد فلسفة الحكم الرشيد وتتضمن التزاماً تفصيلياً لملاحظة مؤشرات ومبادئ هذه الفلسفة وذلك عبر عدد من العناصر التي يتحسسها المشاركون في الحياة المجتمعية تتثمل في التركيز على الإنسان، والإنصاف والعدل، والمسؤولية الفردية والجماعية، وكذلك الشفافية والاستشارة، والمشاركة في اتخاذ القرار، وأخيراً التسيير الفعال والناجع والمؤكد للأعمال العمومية التي تؤديها الدولة أو المؤسسة
وبهذا المفهوم للحكم الرشيد و لآليات ممارسته و شروطه تتبين أن حكوماتنا ابعد ما يكون عنه وهو ما يؤكد إننا نعاني من أزمة حكم و ليس من أزمة حكومة و بالتالي فان الدعوة لحكومة وحدة وطنية هو توسيع للازمة باعتباره سيكون في نهاية المطاف توسيع لقاعدة المحاصصة في الحكم الهدف منه هو خلق سلم سياسي بين الأطراف المشاركة في الحكم دون إيجاد آليات للحكم الرشيد . و بالتالي فتونس اليوم تحتاج اليوم الى خيار من نوع ثان يتمثل في اجاد طرائق و برنامج للحكم الرشيد بعيدا عن المحاصصة المقرفة وهنا كان الاجدر الدعوة الى حوار وطني حقيقي تشارك فيه جميع الأطياف السياسية و فاعليات المجتمع المدني لوضع برنامج حكومي للحكم الرشيد ثم تكلف حكومة بتنفيذه ويكون دور البرلمان المراقبة و التوجيه و النقد و سن القوانين المساعدة .
عبدالله القاسمي
gjllm

عن abdallah

شاهد أيضاً

قرض لتونس ب 914 مليون دينار من البنك الدولي

وقعت تونس، اليوم الخميس، 3 اتفاقيات تمويل مع البنك الدولي بقيمة جملية قدرها حوالي 913.95 ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *