الرئيسية / اخر الاخبار / المسرح السياسي في تونس : ناجي جلّول وتقنيات المسرح الملحمي

المسرح السياسي في تونس : ناجي جلّول وتقنيات المسرح الملحمي

كنا قد كتبنا مقالا سابقا بعنوان “ظاهرة التفليم السياسي في تونس ” ورصدنا خلاله صناعة السينما الواقعية ايام الانتخابات الا انه بعد ان حطّت الانتخابات رحالها كسدت سوق السينما السياسية في تونس . وظهرت حالة التسمرح حاول من خلالها السياسي الاستفادة من مختلف المدارس المسرحية لتحقيق أعلى درجات الفرجة او ما يسميه البعض ” الشو “.
فنحن عندما نتكلم عن المسرح نتكلم على الحياة باعتبار المسرح محاكاة لفعل نبيل تام او فعل رذيل تام . ولكن ميزة المسرح انه يأخذ الحياة الى الركح ليعيد انتاجها لكن بعد احداث 14 جانفي تونس تغيرت الادوار وظهرت طبقة جديدة من الممثلون اخذوا المسرح الى الحياة و تفننوا في اداء الادوار و اظهروا براعة في تقمص الشخصيات . هم ساسة ما بعد الثورة الباحثين عن الفرجة و المهووسين بالدعاية . ولعلّ الصورة المثلى للممثل المسرحي المقتدر و الباحث عن الفرجة هي صورة ناجي جلّول الذي يرتبط اداءه في ذهني بصورة المسرح السياسي او مسرح التسييس الذى ارسى قواعده بيسكاتور ثم بريشت لكن ما يلاحظ ان جلّول استطاع ان يجد توليفة غريبة حيث اضاف الى هذا المسرح المسرح السياسي الملحمي نوعا من الكوميديا السياسية وبرع في اداء دوره
ان المسرح السياسي او مسرح التسيس هو مسرح دعاية و تحريض و إثارة رافضا للواقع الموجود بمختلف تناقضاته فيه دعوة مستمرة و محاولة دائمة لتغييره، و قد ساعدت الظروف التي نشأ فيها سواء على بلورة مضمونه أو المساهمة في تطوره لعل من أبرزها الظرفية المحلية الالمانية و العالمية حيث كان لتواتر الأزمات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية مساهمة كبرى في خلق نوع من التضاد بين وظيفة المسرح كقيمة جمالية و بين حالة الإنسان المتأزمة داخل مجتمع ساده البؤس و مظاهر التفاوت الطبقي بطريقة صارخة في أعقاب الحرب العالمية الأولى حيث “كان لزاما إيجاد طريقة جديدة للتطرق إلى هذه الإشكاليات”فليس من الغريب إذن أن يظهر المسرح السياسي بألمانيا إبان انتهاء الحرب العالمية الأولى و يصدر إلى الولايات المتحدة الأمريكية متزامنا مع أزمة الثلاثينات الإقتصادية حيث كان الوعي السياسي الهاجس الأول الذي يحركه .
أما المسرح السياسي بمفهومه الضيق تاريخيا فيعود إلى المسرحي الألماني اروين بيسكاتور إذ يعد أول من اعتنق و مارس و نظر لهذا المسرح حيث أن المحيط السياسي بجميع مكوناته و دلالته تحول إلى مجال اهتمام و عمل للمسرح ذلك، فكان العامل السياسي عاملا ممتدا مؤثرا في جميع المجالات إقتصادية كانت أم إجتماعية و حتى الثقافية منها فتناول المسرح السياسي لهذا العامل هو منطلق شامل حول طبيعة الإنسان في ظل تدهور الوضع السياسي الراهن الواجب تغييره، ف“هذه الحقبة المليئة بالتناقضات الإجتماعية و الإقتصادية أقصت الإنسان من إنسانيته دون أن تهديه إنسانية أرقى لمجتمع آخر و مهدت لظهور بطل جديد، ليس الفرد بمصيره الأوحد و إنما المجتمع موحدا….”
تمثل عناصر كالثورية و التحريض و التعليم العناصر الأساسية التي يرتكز عليها هذا المسرح ليتحول الفن إلى أداة ناجعة للإرتقاء بالوعي و بثه و ترسيخ قيم بديلة في محاولة متواصلة لتغيير الواقع فيكون أن يتخطى المسرح الوظائف التي كانت مناطة بعهدته إلى وظائف أخرى جديدة فاعلة متجذرة في الواقع الإجتماعي حاملا لما يسميه جون دوفينيو ب“الإرادة البروميثية” .
تبنى المسرح السياسي على الشاكلة التي صاغه بها بيسكاتور قضايا الإنسان دارسا أسباب تدهور وضعيته متطرقا إلى اندثار القيم باندثار الحرية بسبب التشتت الفكري وتواتر الأزمات السياسية و تفشي الحروب و الصراعات، فكان أن إلتزم هذا المسرح بإشكاليات هذا الإنسان من خلال العمل على معاناته و إدراجها فنيا مع إبراز أسبابها ونقدها محاولة لتكوين وعي سياسي جماهيري بها تحريضا له على المطالبة بعالم أفضل .
لقد تمحور مسرح بيسكاتور حول الإنسان في مواجهته للمجتمع المحكوم بالطبقية الصارخة مختلفا، معارضا، رافضا في رهانه هذا رهان المسرح البورجوازي الذي يكرس الفرد بينما يراهن بيسكاتور في مسرحه على مواجهة الإنسان السياسي لعصره و عدم اقتصار المسرح كانعكاس للواقع بل ضرورة في تغييره كما يقول :“نحن لا نفهم المسرح فقط على أنه مرآة للعصر بل نفهمه على أنه وسيلة لتحويله”
من خلال ما قدمه بيسكاتور في المسرح السياسي يؤكد فهمه لحاضره السياسي والاجتماعي و محاولاته الفنية في خلق صياغة جديدة تخدم التحريض من أجل الوعي والإفصاح عن الحقيقة السائدة. ويحدد وظيفة المسرح الحقيقية على أنها :
• وظيفة تعبوية و تتمثل في تعبئة الجماهير و تثو يرها و التأثير في تحركاتها
و توجهاتها.
• وظيفة توعوية تهدف إلى بث الوعي للجماهير بالمشاكل التي يعانيها مع خلق وعي يصوغ الأفكار التي تقدم له و مجادلتها ماديا ليصبح المتقبل إيجابيا فاعلا.
تتغير وظيفة المسرح إذن بالنسبة لإروين بيسكاتور و ذالك من خلال تغير الخلفية التي ينبني عليها كل نوع مسرحي فنلاحظ أن المسرح السياسي في تبنيه للمرجعية الماركسية يجعل من وظيفة المسرح تغييرا و تحويلا للعالم مثلما تشير الماركسية لوظيفة الفلسفة فنجد تكامل مكونات البنية الفوقية في وظيفيتها و رؤيتها للعالم في جدل مع البنية التحتية لتعي بمعاناتها لتأسس الهدف الأسمى للماركسية و هو الوصول إلى المرحلة الشيوعية و كان من الضروري لمثل هذا المسرح إيجاد تقنياته الخاصة وسماته المميزة حتى يؤدي الوظيفة المناطة بعهدته:و رغم أن العديد من الباحثين يذهبون إلى إعتبار بريشت باعثا للمسرح الملحمي إلا أن العديد من البحوث و من أولها “بيسكاتور و المسرح السياسي” لكل من “ماريا بيسكاتور” و جون ميشال بالمييه تؤكد أن بيسكاتور هو الصائغ الأول و لتجاوز الجدل يمكن إعتبار بيسكاتور أول مخرج للمسرح الملحمي و بريشت الدراماتورج الأول .
ليست المسألة لدى بيسكاتور مجرد فتح للركح و تحطيم النموذج الكلاسيكي و رفض القوالب الكلاسيكية التقليدية فقط، و إنما أيضا وضع أشياء جديدة بطريقة جديدة، مسرح جديد يغلب الفكري الواعي على الإحساس و التهيآت حيث يقع وضع الواقع على الركح بمختلف تمظهراته، واقع العالم الإجتماعي و التاريخي، هو دعوة للتفكير و النقد و التحليل هو في اللآن معنى جديد للمسرح و الحياة مجتمعين بالتنصيص على مبدأ التغيير الذي يحكمهما و إمكانية التأثير، مسرح علمي لعصر علمي يحاول ملامسة الحقيقة و نقلها للمتفرج في قالب تسوده الدعوة المتجددة للنقد و التساؤل و الإجابة عن الإشكاليات المطروحة، و حسب بيسكاتور فإن المسرح الملحمي مجعول لإفهام المتفرج، أنه بمقدور الإنسان أن يتغير و يثور على المجتمع .
حيث أراد بيسكاتور لمسرحه أن يكون في خدمة الحركة الثورية متجذرا في هواجس العمال والكادحين محاولة لإتاحة حياة حرة كريمة تمكنهم لا فقط من حقوقهم سياسية كانت أم إقتصادية و إجتماعية و إنما أيضا من “إنسانيتهم المستقبلية” لذلك جعل من تجسيد مأساة البروليتاريا و مصيرها هدفه الأول عبر الإرتباط السياسي العضوي بين الفرد والمجموعة في إطار إيديولوجي يخضع الفني للسياسي من ناحية و من ناحية أخرى يبرز السياسي من خلال الفني .
تثير مسألة الإخراج في مسرح بيسكاتور بمختلف مراحله إشكالية كبرى سواء في محاولة إيجاد نسق متكامل خاص به من ناحية و من ناحية أخرى لتركيزه الأساسي على العنصر السياسي أكثر من تركيزه على العنصر الفني و هو ما سبب في رأي العديد من الباحثين عدم تواصل المسرح السياسي على شاكلته البيسكاتورية بعد وفاته على خلاف المسرح البريشتي مثلا الذي لا يزال مرجعا إلى اليوم حاضرا في العديد من الأركاح في العالم ويمكن تلخيص النقاط التي ركز عليها بريخت في مسرحه الملحمي بالآتي:
1 ـ رفض التأثير التنويمي الذي نشده فاجنر الذي يضع الجمهور في مواقف سلبية من الأحداث.
2 ـ استخدام التغريب كتقنية جديدة، ومصطلح التغريب لدى بريخت مأخوذ عن الفلسفة المادية الجديدة، ان الانسان في عصر الآلة تغرب عن حقه في العمل.
3 ـ وضع المشاهد بعيداً عن الأحداث لكي يتفحصها وينقدها.
4 ـ لتحقيق اهداف المسرح الملحمي لا بد من تغيير البيئة الدرامية لخلق تحول مستمر بالعلاقات عبر مشاهد متعددة، ذروات متعددة، تعليق، الجمع بين السرد والحق.
5 ـ استوعب العملية الابداعية والدرامية على أنها عملية جدلية، واختصر كل مشهد الى ايماءة فكرية اساسية (حسبت)، اي نقطة اساسية للنقاش والجدل.
6 ـ شخصياته تمثل مواقف جمالية اكثر مما تمثل افراداً.
7 ـ لغرض الايهام فقد فضح كل العناصر الانتاجية لكي يقول بأن كل ما يحدث على المسرح هو مسرح وليس حياة.
8 ـ الممثلون يقدمون الشخصيات ولا يمثلونها، اي ينطلقون بصيغة الشخص الثالث.
9 ـ على العكس من فاجنر لم يؤمن الانتاج الموحد، لأنه اراد من كل عنصر من عناصر الانتاج ان يعطي تعليقه الخاص على الأحداث، فالمهم هو التناقص وكسر الايهام.
10 ـ وهنا نخلص الى القول بأن بريخت استطاع من خلال مسرحه الملحمي المرتبط بنظرية التغريب تأسيس دراما لا ارسطية، وتحقيق شكل ومضمون جديدين خاصين به، من خلال تأكيده على جعل المتفرج قريباً وناقداً للعرض المقدم، وجعل الانسان موضوع بحث وتحقيق ومحور نقاش.
ان الظروف التي انتجت مسرح التسييس في المانيا تقريبا تشابه الظروف التي تمر بها تونس غير ان المسرح السياسي في تونس لم يمارس على الركح و انما ظل يمارس على المنابر الاعلامية و قد تميز خاصة ناجي جلول في ذلك حيث كان حريصا في جميع ظهوره على صناعة الفرجة و على تبني المصطلحات التي يقوم عليها ذلك المسرح واذا ادركنا ان الممثلون في المسرح السياسي يقدمون الشخصيات ولا يمثلونها سندرك بيسر الوجود المسرحي لهذا الرجل و استفادته من المسرح البريشيتي فخطابه تحريضي ويسعى بكل ما اوتي الى تحقيق مقولة التغريب التي تقوم احد تقنياتها على كسر الجدار الرابع لذلك يسعى بكل ما اوتي الى كسر الشاشات لايصال وهم الفكرة الى المشاهدين .
وان كان بيسكاتور يهتم بالفكرة و يعوّل على الممثل في اداءها حتى قد يتحوّل الممثل الى خطيب فان ناجي جلّول استطاع الاضافة الى مسرح التسيس بناء شخصية مركبة بين شخصية دونكيشوتية واهمة تحارب طواحين الريح و تتصنع اعداء وهميين و بين اداء كوميدي يتجسد في التصنع و بناء الشخصية الموسوعية الشاملة التي نهلت من اليمين و اليسار و الوسط حتى ظهرت بمظهر من يحسن القفز على جميع الحبال … واستطاع الاستفادة ايضا من اهم غاية للمسرح السياسي التي هي تثوير المجتمع وبما ان بيسكاتور كان منحازا الى طبقة الكادحين فقد كانت غايته تثويرهم غير ان ناجي جلول المنسلخ طبقيا حيث بدأ حياته يساريا و انتهى يمينيا فانه يسعى الى خلق الفوضى و تبنى سياسة التحريض و التثوير ضد ابناء الفئات الشعبية املا في حدوث احتقان اجتماعي و تصادم سياسي يظهر هو من خلاله المنحاز لابناءنا المساكين : اذ مشكلة تلاميذ تونس ليست في جوهر العملية التربيوية و انعدام فحواها و في كثرة التعلمات و في الزمن المدرسي و في منظمومة التقييم بل في مرب يهين التلميذ حين يجبره الى الاعتناء بالدرس او يعاتبه لعدم انجاز واجب … وبذلك استطاع الممثل جلّول ان يحد من خطابية المسرح السياسي الى نوع من الخطاب الشعبوي و ربما قد يسعى مستقبلا الى تطوير المشهد من خلال ذرف الدموع مثلا .. و جلول من خلال كل هذا لا يدري الى انه يرمي الى احداث فوضى اجتماعية تعصف بالبلاد وتمهد للارهاب فهو يستهدف قدوات المجتمع تمهيدا لانتشار الجهل ثم التطرّف لانه ربما لا يدرك ان استهداف مجتمع يكمن في ضرب قدواته
ان ناجي جلّول السياسي استطاع الاستفادة من المسرح السياسي ووظف بعض تقنياته بل طوّرها من اجل التسويق لصورته و صناعة الفرجة وهو في الحقيقة نموذج لرجال السياسة في تونس المطلع على التجارب العالمية في المسرح.

mlkj5

عن abdallah

شاهد أيضاً

ما هي الدول التي نجت من الوباء حتى الآن

غزا فيروس كورونا مشارق الأرض ومغاربها، ووصفته منظمة الصحة العالمية بـ”الجائحة”، إلا أن دولا قليلة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + عشرين =