الرئيسية / اخر الاخبار / ليبيا: الفوضى على قدر الثروة

ليبيا: الفوضى على قدر الثروة

لطالما تغزل القذافي بإبنه أوباما معتبراً وصوله لرئاسة أمريكا نصراً لنظريته، النظرية العالمية الثالثة والتي طالما نادى بها القذافي معتبراً إيها رداً وتفنيداً للنظريتين “الرأسمالية والاشتراكية” معتبراً الصراع التاريخي أساسه قومي، وعند وصول أوباما لرئاسة أمريكا امتد حبل الود بين طرابلس وواشنطن فحصلت أمريكا وبريطانيا بعد تسوية لوكربي على العديد من الامتيازات والعقود، وكان “بلير” عراب هذه السياسة يجوب العواصم الغربية لتلميع صورة القذافي هناك، وكان يعمل عند القذافي مستشاراً براتب شهري بأربعين ألف دولار، ولم يشفع للقذافي حينما انزلق به الأقدار نحو الهاوية لا هذا ولا ذاك، فحينما اندلعت الأحداث هبت دول عديدة لإنقاذ الشعب الليبي من براثن الطاغية كما وصفوه، والحقيقة أن الثروة الليبية كانت تُسيل لعاب كل الطامعين… فليبيا تحتوي على بحر من البترول والغاز تحت الأرض، وما هو خارج دائرة الاستغلال أكثر بكثير مما هو مستثمر حيث أن طاقة ليبيا الإنتاجية تفوق 7 مليون برميل نفط يومياً بعائد سنوي يفوق ثلاثمائة مليار دولار فضلاً عن الصناعات البتروكيميائية والتي تعتبر هي الأفضل عالمياً.
كما كان ساركوزي أول المتباكين على الشعب الليبي حيث اتخذ قراره بالتدخل حتى قبل صدور القرار الأممي وما كان ساركوزي ليجرؤ على هذه الخطوة لو كانت هذه الأحداث قد جرت في عهد الجمهوريين..؟ لا لأن الجمهوريين يرفضون التدخل والغزو.. بل لأنهم يعتبرون التدخل العسكري في شؤون العالم من اختصاصهم وذلك بتفويض رباني لهذا يعتقدون أنهم أوصياء على العالم.
وبما أن الأحداث قد جرت في عصر الديمقراطيين الذين لا يسعون في سياستهم الخارجية للحروب بل يعملون على توثيق وتثبيت الاحتلال والمكاسب التي تتحقق مع الجمهوريين وخير دليل “العراق وأفغانستان” لذلك كان ساركوزي يدرك تمام الإدراك بأنه لن يجد أية معارضة أمريكية، أما أمريكا فكانت مترددة في البداية إلا أنها حسمت أمرها بالتدخل خوفاً من أن تفوتها الأحداث وتبين لأول مرة وكأن أمريكا تلاحق فرنسا وتسير على خطاها وهكذا لم يعد هناك أي اعتبارات أخلاقية أمام المصالح الاقتصادية، وفي الأثناء كان المجلس الوطني الانتقالي الليبي يوزع العقود والامتيازات على المتدخلين في الأحداث، أولم يقل مصطفى عبد الجليل: “أنه كان على استعداد ومن أجل الاعتراف به أن يتبرع بدخل ليبيا لعشر سنوات”؟؟ وبعد إزاحة القذافي حصلت ثلاث دول على ستين مليار دولار كتعويض عن الحرب وهي “تركيا وقطر والإمارات” لعلكم تتذكرون ما قاله وزير خارجية الإمارات في بداية الأحداث: “إن الشعب الليبي لا يتسول” والمعنى الحقيقي لكلامه بأن ما تقدمه الدول المتدخلة هو دين على الشعب الليبي وأي دين؟؟
فهذه الفوضى التي تعيشها ليبيا اليوم خُطط لها منذ البداية ولطيلة ثلاث سنوات لم تحدد ليبيا نظامها السياسي، بل هذا الأمر ينطوي عن خبث وسوء نية ليسهل نهب ثروة الشعب الليبي، فهل ما يحدث اليوم صدفة؟
فقد أغرقت قطر الشعب الليبي في الفوضى والديون التي بلغت ثلاثمائة وعشرين مليار دولار، هذا ما نعلمه وما خفي لا يعلمه إلا الله والحكومات المتعاقبة، أين ذهبت هذه الأموال لا أحد يعلم..؟
أما قطر فقد اقتبست النموذج الإيراني في العراق فإيران قد أسست المليشيات وعمدت إلى حل الجيش العراقي وإضعافه ليسهل عليها ابتلاع العراق، كما قد عمدت قطر على تكوين المليشيات وخاصة في مصراتة التي حولتها إلى شوكة في خاصرة ليبيا وزادت في العداء بين أبناء الشعب الواحد، علماً وأن ما جرى في مصراتة في بداية الأحداث لا علاقة للإخوان به لا من بعيد ولا من قريب، فالدفاع عن مصراتة يعود للجيش الليبي وحده بقيادة العقيد سالم جحا الذي تصدى للواء 32 معزز “بقوة النار” لأسابيع وبإمكانيات بسيطة.
أما ما يجري اليوم فلا علاقة للدين الإسلامي به، بل أساسه يعود إلى تضارب المصالح بين الدول المتدخلة، كما أن مقتل القذافي بتلك الطريقة البشعة كان مؤشراً على بداية الفوضى حيث تم إذلاله قبل قتله والأنكى من ذلك حولت قناة الجزيرة جثة القذافي إلى فرجة للتشفي، ففي سنة 1997م حينما توفيت “الأميرة ديانا” بحادث مرور لم تجرؤ حينها أي قناة أو صحيفة على عرض أي صورة للحادث ولا أية صورة لجثة الأميرة على الرغم من توفر آلاف الصور لأنهم ببساطة يدركون حرمة الموت وقدوسيته؟؟
فمقتل القذافي لن يضفي أي بطولة على قاتليه، والأغرب من ذلك أننا لم نسمع أي إدانة من أي جهة ربما خوفاً أو طمعاً أو الإثنان معاً.
واليوم وبعد أن أدرك أمير قطر خسارته لمصر بخروج الإخوان من المشهد بدى جلياً بأن الإخوان في تونس سيكون مصيرهم مشابها لكن بطريقة ناعمة “الانتخابات” فالدول الغربية لن تقبل بأي فوضى في تونس على شاكلة السيناريو الليبي، حيث من السهل انتقال الفوضى إلى البر الأوربي وبكل بساطة، لهذا تسارع قطر بالاستيلاء على السلطة بالقوة من خلال ميليشياتها، والصراع الدائر اليوم في طرابلس سيحدد مصير ليبيا للأجيال القادمة حيث لن يقبل الإخوان بأي تسوية لأنهم يريدون الاستيلاء على ليبيا بالكامل وحتى وإن توقف القتال سيعاد مرة ومرات عديدة حتى يحسم لجهة بعينها، أي لا وجود لأنصاف الحلول وسيبقى الليبيون يبحثون عن الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة.. وسيبقى الليبيون يبحثون عن رغد العيش الذي كانوا يمنون أنفسهم به أيام الثورة.. وكذلك سيبقى الليبيون يسددون ديونهم التي أغرقتهم الدول المتدخلة إلى آخر قطرة بترول تحت الأرض.. وما عاد لمشروع مارشال الليبي الذي نادى به محمود جبريل أية قيمة.

جبران العكرمي
مختص في تاريخ الفكر السياسي
جامعة دمشق
20537214

FFGGH

عن abdallah

شاهد أيضاً

ما هي الدول التي نجت من الوباء حتى الآن

غزا فيروس كورونا مشارق الأرض ومغاربها، ووصفته منظمة الصحة العالمية بـ”الجائحة”، إلا أن دولا قليلة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + ثمانية عشر =