الرئيسية / اخر الاخبار / ليبيا أو …الخواصر النازفة!بقلم: نبيل نايلي*

ليبيا أو …الخواصر النازفة!بقلم: نبيل نايلي*

“إنّ ليبيا تشهد عمليات قمع وتعذيب وقتل على الهوية. للأسف لقد عادت ممارسات النظام القديم بجميع أشكالها ولكن بطريقة أعنف وعلى نطاق أوسع!” المندوب الليبي لدى الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي
انطلق يوم 29 سبتمبر 2014، ويتواصل غدا،حوار بين الأطراف الليبية، في مدينة “غدامس”، وسط حالة فشل تام للـ”دَولة” أو ما تبقّى منها، وتعطيل لمؤسساتها –برلمانان وحكومتان- وفوضى أمنية عارمة وحرب طاحنة بين الفصائل والقبائل، آخرها تلك التي اندلعت في سبها بين ”قبيلتي أولاد سليمان والقذاذفة“، يغذّيها ويؤبّدها أصحاب المصالح الاستراتيجية الكبرى، ومُديري لُعبة الأمم، في تحويل ليبيا إلى صومال جديد! وذلك بعد لقاء ممثّل الأمم المتحدة في ليبيا، “برناردينو ليون”، Bernardino Leon، برئيس المجلس، السيد محمد شعيب وعدد من النواب اللّيبيين، في طبرق، واجتماعه، في طرابلس، مع البرلمانيين الذين يُقاطعون الجلسات، تمهيدا لجمع شمل المتناحرين، وسيدور الحوار إذا كُتب له أن يستمرّ وصدقت فيه النوايا ورُوعيت فيه المصلحة الليبية العليا، لا المصالح الحزبية أو الفئوية أو الجهوية أو الأيديولوجية السّائدة الآن، على “أساس مجموعة من المبادئ مُتمثّلة في الاعتراف بشرعية المؤسّسات المنتخبة واحترام الإعلان الدستوري، واحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي والنبذ الصريح للإرهاب” وضرورة الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2174، القاضي ب”الوقف الفوري والدائم لإطلاق النار”، كما ورد في البيان. وقد سبق، قبل هذا، أن احتضنت العاصمة مدريد مؤتمرا حول ليبيا، حضرته 21 دولة ومُنظّمة دولية، كان شعاره تفادي أن تتحوّل ليبيا إلى «صومال أو أفغانستان البحر الأبيض المتوسط»، كما جاء على لسان وزير الخارجية “مانويل غارسيا مارغايو، Manuel García-Margallo”. وعقد وزراء خارجية دول جوار ليبيا أثناء ذلك وبعده، الاجتماع تلو الاجتماع، تمخّضت عنها “مبادرة” مصرية لا تزال الحبر على الورق!
وكان قد شارك وزراء خارجية 13 دولة في اجتماع وزاري مُصغّر، نُظّم تحت رعاية وزارة الخارجية الأمريكية، دُعيت فيه جميع الأطراف المعنية في ليبيا إلى ”الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار والانخراط بشكل بنّاء في حوار سياسي سلمي لحل الأزمة الجارية والامتناع عن أعمال المواجهة“.ثم ها هو وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة ، يُعلن أنّ بلاده تعتزم استضافة “حوار بين الفرقاء اللّيبيين”، في شهر أكتوبر القادم!
ورغم هذه المبادرات، يتفاقم الوضع في ليبيا ويتدحرج نحو ما يستشرفه “سامويل لوران، Samuel Laurent”، الخبير الفرنسي في الشأن اللّيبي، وصاحب كتاب ” ساحلتان، من ليبيا إلى مالي..في قلب «الجهاد» الجديد”، حين يصرّح: “ليبيا في طريقها إلى الصّوْملة، حيث يختلط الإرهاب بالمواجهات القبلية والعرقية، وهذا قد يدوم سنوات طويلة”، أو إلى ما لن يعود من الممكن احتواؤه إلاّ ب”تسوّل” التدخّل الأجنبي ف”الهندسة الجغرافية السياسية الخشنة، والخاصة بتبديل الأنظمة من دون حساب لمضاعفاتها ولعواقبها الوخيمة”، كما يوصّف مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، Vitaly Churkin.
يختزل الباحث السياسي، “ماتيا توالدو، Mattia Toaldo”، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، European Council on Foreign Relation، الوضع في ليبيا بقوله إنّ “الحكومة المركزية تُدير الآن دولة صغيرة مساحتها أقلّ من ثلث مساحة ليبيا..بين فجر ليبيا وأنصار الشريعة، تسيطر الحكومة على جزء كبير يمتدّ من بنغازي إلى الحدود مع تونس”!
حكومة وبرلمان في طبرق، وحكومة أخرى ومؤتمر وطني في طرابلس! هكذا يحلو لبعضهم اختزال المشهد الليبي الدامي وفق معطيات “الشرعية” الإجرائية و مخرجات المحطتين الانتخابيتين ومعادلات القوتين السياسيتين المتناوئتين! إلاّ أن تعقيدات ليبيا “المحرّرة” تتجاوز هذه المقاربة القاصرة والتي تُلغي الأهم: تشكيل البناء السّياسي العسير في بلد عاش كباقي الدول العربية سنوات من التجريف والتصحير السياسي، ثم الصراع الإقليمي والدولي وتضاريس الجغرافية السياسية العربية والعالمية في ظلّ “تسونامي” التحوّلات الجارية، على ساحاتنا النازفة مشرقا ومغربا!
لا يبعث واقع ليبيا الحالي على تفاؤل، بل على قلق من حاضر مُفزع ومستقبل غير مضمون، ف”انجازات” الـ”ثوار” تشهد عليها مدن ليبيا النازفة وتوثّقها تقارير حقوق الإنسان ومنظمات الكشف عن الفساد، وتفضحها حالة الفوضى وغياب الدولة المركزية، وانعدام أبسط مقومات الأمن، وشبح التقسيم الجغرافي، واستشراء سوس العداء القبلي والمناطقي، النّاخر للوحدة الوطنية! انتفاضة ليبيا التي تُربّص بها وأُختطفت في مهدها وصادرها من جيء بهم لينفّذوا ما هم بصدده، خدمة لأجندات من يُوظّفهم ممّن استحوذوا وأمّنوا مقدّرات ليبيا وسنداتها السيادية، ليتركوا أهلها لمصيرهم ومسالخهم! ليبيا التي كانت تؤمّن ما لا يقلّ عن 60 مليار دولار من العوائد النّفطية سنويا، وتباهي بحوالى 200 مليار دولار من عوائد خارجية، باتت اليوم على عتبات الإفلاس والجوع! حتى آبارها النفطية التي لا تخضع لسيطرة شركات من جاء غازيا “محرّرا”، يوظّفها أمراء الحرب والميليشيات، لتأمين سطوتهم وعتادهم، أما سنداتها الخارجية فقد أفرج عنها “الثوار” فقط لتمرّ “ترانزيت” ببنوك ليبيا لتعود إلى بنوك مُقتسمي كعكعة النهب “الإعماري”، في أبشع عملية سطو في التاريخ!
لا بواكي اليوم لأهلنا في ليبيا، لا “هولاند” المصرّح «قلقي الرئيسي اليوم هو ليبيا! إذا لم نفعل شيئًا دوليًّا فسينتشر الإرهاب في جميع أنحاء المنطقة» ولا يفعل شيئا غير إرسال طائراته تدكّ سوريا!!!، ولا “برنارد هنري ليفي”، ولا غيرهما ممّن ألّفوا قصة “بنغازيغراد”، لينفّذوا ما هو أشنع بصواريخهم التي دمّرت البنية التحتية في تجاوز لقرار منطقة الحظر الجوي، وخرق فاضح للقانون الدولي، لا بواكي لمن تُدكّ اليوم بيوتهم ومرافقهم، لا بواكي لأهلنا في “تاورغا” الذين تعرّضوا لأبشع عمليات التطهير العرقي العنصري في التاريخ الحديث، على يد من يُوشّون راياتهم بآيات التوحيد! دون أن يرفّ جفن لهؤلاء الذين يُجرّمون نفس الصنيع في العراق وسوريا ويذرفون دموع التماسيح، ويعودون في ثوب رجال المطافئ وهم من أوقد فتيل قنبلة الحرب الطائفية والإثنية المؤقتة ولا يزالون.
نسأل السيد رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح عيسى، الذي يُناشد المجتمع الدولي بـ ”المساعدة في بناء أجهزة الدولة الدفاعية والأمينة لمساعدتها على نزع سلاح الجماعات المتطرّفة وضمان سيطرة الحكومة على العاصمة طرابلس وإخلاء مؤسّسات الدولة من المسلّحين“، أ ليس هؤلاء الذين يُسمّيهم بـ ”المجموعات المُسلّحة الخارجة عن القانون والشرعية “، هي ذاتها من جيء بها لإسقاط النظام السابق؟ ألم يكونوا رفاق سلاح ذات “تدخّل إنساني” وقتال تحت رايات حلف شمال الأطلسي؟ أليسوا استنساخا لنموذج معارضات “الاعتدال” التي تُشيطن وتجيّشُ لها الجيوش أو “الصحوات” لإبادتها بمجرّد أدائها مهام حروب الإمبراطورية بالوكالة والانتهاء من حرب الجيل الرابع للتدمير الذاتي؟ ثم حين يُناشد هذا “المجتمع” الدولي”إنشاء تحالف بين ليبيا ودول شمال وجنوب البحر المتوسّط لمُواجهة الجماعات الإرهابية“، ألا يستحضر ، في ذلك، نموذج التدخّل الجاري في سوريا وما سيترتّب عنه؟ هل يستجدي تدخّلا عسكريا أجنبيا آخر وقد رأى بأم عينه ما أسفر عنه الأول؟ ألا يزال يثق في هؤلاء الذين دمّروا ليبيا ولا يزالون باسم “تحريرها” وتحت عناوين الديمقراطية ومحاربة الفساد وحماية الأرواح باسم فرية مبدأ التدخل “الإنساني ، Humanitarian Intervention”، الذي اجترحوا منه عقيدة “أر تو بي ”Responsibility to Protect doctrine (R2P) ، “واجب الحماية”، المعزّزة بالصواريخ والقنابل، ف”واجب القصف، ( ”Responsibility to Attack (R2A “! ؟ ألا يعلم أنّ هذا “المجتمع الدّولي” الذي يناشده هو، باستثناء من يطلّون برأسهم لاستعادة جزء من دفّة القيادة لحظة انحدار الامبراطورية المترنّحة، لفيف من المتعلّقين بالتنّورة الأمريكية والمتمعّشين من فتات فضلات حروبها وصفقات “النّهب الإعماري” المُنظّم، يُصطلح على تسميتهم تارة ب”تحالف الرّاغبين، “Coalition of the Willing، وطورا بتحالف المرغمين، Coalition of the Compelled، وأخرى ب”تحالف الخائفين، Coalition of the Concerned” كهؤلاء الذين دفعوا من مالهم وأمنهم ومن دماء أبناء هذه الأمة، ثمنا لحروب “الكوندور” والوكالة، ولا يزالون، في مازوشية لا مثيل لها!
أمّا عن تهديده أن يؤثّر الوضع اللّيبي “سلبا على استقرار المنطقة والسلم العالمي”، فصرخة في وادي من يستثمر في الفوضى ويُعزّز بُؤر التوتّر، وأراد ولا يزال لليبيا “المحرّرة” أن تكون عصا الشمال الأفريقي التي سيهشّ بها على نُظم تابعة وأخرى تُبتزّ اليوم باستراتيجيات الصدمة والترويع، لتقدّم ولاء الطاعة، كما لا يزال له فيها المآرب الأخرى!
من يستعصي عليه فكّ شفرة لغز هذا الاستثمار المُمنهج في خراب وفوضى مغرب الوطن ومشرقه، عليه فقط أن يستحضر وصايا استراتيجيات “هنري كيسينجر، Henry Kissinger”، القاضية ب”هزيمة الطرفين” التي كان قد أوصى بها، خيارا أمريكيا بخصوص الحرب الإيرانيّة العراقيّة، أو ما يسمّيه المؤلّف العسكري الاستراتيجي، “إدوارد لتفاك، Edward N. Luttwak “، “النّفور من الطرفين” أو “المأزق المستدام، Prolonged Stalemate “، وعليه فالعدوان لن يكون إلاّ استطالة للحرب الأهلية لا حسمها، ما دام المُراد ألاّ “يهدف إلى تغيير ديناميكيّة الحرب الأهليّة أو القبلية أو الطّائفيّة الكبرى”، كما نصح السيناتور الجمهوري، “بوب كوركر،Bob Corker ” في المسألة السورية! استراتيجية المأزق المستدام، تلخّصها بشكل فاضح دعوة الكاتب والمحلّل العسكري، “أليكس فيشمان، Alex Fishman”، الذي لم يتورّع عن كتابة: “دعوهم يقتلون أنفسهم بهدوء!، “Let them kill themselves quietly! . لماذا يجب علينا، بسبب عدد من الضباط الكبار الذين لا يهدؤون ورئيس حكومة يسارع إلى الحرب، أن نمنح العرب سببًا للاتحاد حول القاسم المشترك الوحيد بينهم وهو كراهية إسرائيل؟ دعوهم يقتلون أنفسهم بهدوء!” هكذا يتعامل الأمريكيون والغرب الاستعماري عموما، ولا يزالون مع المسألة العربية، يتدخّلون، ولكن بالقدر الذي يُعزّز حروبنا الأهلية على ألاّ يغيّر ديناميكيتها، إمعانا في التدمير! كما دُمّر العراق، تُدمّر الآن سوريا، ويفُكّك اليمن والسودان، وتُحيّد جيوش العرب، تمهيدا لإعادة رسم خرائط “سايكس-بيكو” الجديدة، أرخبيلات المذهبية والطائفية، كمناخ أنسب للكيان الصهيوني.
أما “أوباما” المترنّح بين القيادة من الخلف،” Leading from Behind”، إلى القيادة من الداخل، “Leading from Within”، و”النادم“ على قرار عدم إدارة الانتقال الليبي، كما يزعم، و”المستفيد“ من دروسها كما حدّث “توماس فريدمان، Thomas Friedman”، بحيث بات”يطبّقها الآن وفي كلّ مرة“ يسّاءل فيها: هل يجب أن يتدخّل عسكريا وهل يملك إجابة لليوم التالي، The day After؟، يبدو أنه وجد إجابات اليوم التالي العربي: مزيدا من التشظي ومزيدا من التناحر مدفوع الأجر من دمائنا ومن مقدّراتنا مُسبقا! أما نحن فلا الدرس العراقي ولا الدرس السّوري ولا حتى اليمني، استوعبنا! عسى ألاّ تتحوّل ليبيا هي الأخرى إلى موضوع مرثية شعرية!
هل تكفي مجرّد اجتماعات يتيمة عديمة الجدوى لدول الجوار الليبي؟ وهل تفي “المبادرة” المصرية للتسوية لخروج ليبيا من دائرة التشظّي ومسالخ التناحر؟ مُبادرة تفتقر لأبسط الآليات الكفيلة بتفعيلها وإنجازها! ثم من سيتولّى نزع سلاح الفرقاء “تدريجيا وبلا تمييز وبشكل متزامن”؟ من سيجمع هذه الأسلحة وبأية ضمانات؟ من هذه الأطراف الإقليمية والدولية التي تملك أجندة مُوحّدة لليبيا المستقبل، لتُجدّف بنفس الاتجاه؟ وكيف السبيل لإخضاع أمراء الحرب و”حكّام” ليبيا الجدد، هذا إذا سلّمنا بامتلاكهم زمام أمورهم وقرارهم، وهذا غير المعقول، بتسليم مبرّر وجودهم؟ أ ليست مزحة سمجة تلك المبادرة الغريبة التي عرضها “سامح شكري”، وزير خارجية مصر، والقاضية بـ”ضرورة إنشاء صندوق دولي يعمل على جمع السلاح من المليشيات ومن ثم الإشراف عليها”؟!
إنّ الدعوة إلى الحوار التي أعلنتها بعثة الأمم المتحدة “لإنهاء الأزمة في البلاد”، هي الأخرى، ضحك على الذقون. أليس الدّاعون هم من حوّلوا ليبيا إلى ما هي عليه الآن؟ ألم ينفضّوا بعد أن اقتسموا نصيبهم من النفط ومقدّرات ليبيا، ولا يزالون يتنازعون كعكة “النهب الإعماري”؟ لمصلحة من دُمّرت البنية التحتية كاملة؟ آخرها المطارات بما حوته من طائرات مدنية! ، عن أي مؤسّسات ودستور وقوانين وحقوق إنسان يتحدّث الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، السيد “برناردينو ليون”؟
ثمّة من يصرّ، من القوى الداخلية الليبية برعونتها، وأخرى خارجية بمخطّطات لعبة الأمم الكبرى، على تفكيك ليبيا وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وتركها خاصرة رخوة، ومرتعا لأمراء الحروب و”بارونات” المخدّرات، وبؤرة توتّر تُوظّف عند الضرورات الاستراتيجية، كورقة ضغط أو ابتزاز. فهل تُدفع ليبيا إلى التفتّت إلى 3 دويلات تُديرها أجنحة مُتناحرة: إحداها تقودها مصراتة في الغرب، والثانية يُهيمن عليها المتطرّفون في الشرق والثالثة تُديرها حكومة عاجزة في أقصى شرق البلاد؟ القسمة الضيزى إياها: “الفيدرالية” أم “الكونفدرالية” أم الفوضى الدائمة أو المؤقتة؟
صمت المتآمر، أو العاجز، أو المبارك على انزلاق ليبيا، الخاصرة الرخوة، نحو الإنهيار والمضي قدما على نار شفير مرحلة جديدة تُنذر بمزيد من التقسيم، والتفكيك، ومسالخ الحرب الأهلية والقبلية، على غرار ما يحدث في اليمن، في ظلّ تسونامي ومضاعفات الزلزال الذي قوّض كلّ المعادلات السياسية والقبلية والإقليمية التي كانت تحكم معادلات تماسك “النظام” السّابق، ستكون له عواقبه الوخيمة، وفواتيره وإن طالت، سيدفعها من ظلّ يُمارس حالة إنكاره المزمنة لوضع انفجاري، مُرشّحة ناره أن تطال هشيم من، يكابر، ومن يتغاضى كما من يدشّن الحدود الذكية،” Smart Frontiers”، لتمتدّ إلى غيره، وإن تأجّل موعد لهبها إلى حين!! نار ستطال من يتعلّل الآن بإرهاصات “المرحلة الانتقالية”، أو يكتفي بالمقاربات الأمنية واجتماعات لا تُفعّل بياناتها الرنّانة، أو يسقط في فخّ الانخراط مع من زرع أدوات التدمير الذاتي وحطب حروب الوكالة، ليورّط مؤسساته العسكرية ومنظوماته الأمنية والاستخباراتية، في برامج تثبّت دعائم القاعدة المنشودة لأفريكوم، “Africom”، وبرامج فرق العمليات الخاصة، “Spec Ops،” والطائرات دون طيار، “Drones”، وقد تمتدّ إلى غيره، وإن تأجّل موعد لهبها إلى حين!!
إنّ السّماح بتحوّل ليبيا إلى الدولة الفاشلة هو بعض خطايا الإستراتيجية من تغاضى أو شارك في تحوّل اليمن إلى ذات المصير، ويدفع بسوريا نحو ذات التشظّي! خطايا تضع جميع الأواني المستطرقة لهذا الوطن المستباح، رهينة لنفس المصير المفتوح على سيناريوهات راهنها “جنات عدن” مقارنة بمستقبلها! في الأثناء يتذلّل بقايا نظام “سايكس-بيكو” كما لا يُمانع من تجشّأ حكوماتهم ”ربيع“ مغدور، ويستصرخون جلاّدهم المستعمر، التدخّل فيتمنّع ليفرض عليهم قسمته الضيزى، شروطاً تُصادر أو تُلغي السيادة وتُشكّل الحدود وترسم خرائط الدّم، لأرخبيلات المذهبيات والطائفية”المحرّرة“، دون أن تهتزّ لهذه الجماهير قصبة! فأي”وطن“ ستتمخّض عنه ولادة قيصرية تستكثر على العرب حتى دويلات سايكس-بيكو؟ أي وطن مسخ، والقابلة والمشرط بتلاوين صهيو-أمريكية؟!
ليبيا التي تتحلّل أمامنا ونحن شاخصو “الأبصار”، بحاجة عاجلة إلى وقفة حازمة لشرفائها الوطنيين، لاستعادة انتفاضتهم من مُختطفيها وغادري أحلامهم، ثم القيام بالثورة الحقيقية، ليست “الثورة” التي عمّدها “ليفي” وشمال الأطلسي! بل ثورة تُعيد لليبيا هويتها الوطنية ووحدتها الجغرافية! ثورة ضد لقطاء وكالات الاستخبارات الأجنبية والميليشيات والدول الدّاعمة لها، العربية قبل الأجنبية، ثم وقبل كل شيء ضد نخبة سياسية بعضها عميل وبعضها فاسد، وأكثرها عاجز! يومها، ويومها فقط تصدق قولة المؤرّخ اليوناني العظيم، هيرودوت، المأثورة: “من ليبيا يأتي الجديد”!

*باحث في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.
FFGGH

عن abdallah

شاهد أيضاً

ما هي الدول التي نجت من الوباء حتى الآن

غزا فيروس كورونا مشارق الأرض ومغاربها، ووصفته منظمة الصحة العالمية بـ”الجائحة”، إلا أن دولا قليلة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر + خمسة =