الرئيسية / ثقافة / بستان الهاوية. . قصيدة للشاعر محمد بوحوش

بستان الهاوية. . قصيدة للشاعر محمد بوحوش

إلى شهداء الحريّة والكرامة الوطنيّة
في تونس والوطن العربي

فاتحة : المسيح

بهذا المكان الذّميم
ببيت ومقهى ومكتب،
تعدّ السّنين العجاف لتطفئ دمعك،
وليس أمامك غير حنين،
وغير صهيل نحيل ودفتر.
لهذا الزّمان الضّنين ،
وهذا المكان الغريب ، ستبقى…
فأنت أسير لمن سلبوك ومن صلبوك
وألقوا صليبك فوق جدار معتّم.
أضأت … أضأت …
كثيرا أضأت لهم دون قيد،
وما من شموع تضاء لأجلك.
لأنّك وحدك تصرخ!
لأنّك وحدك تصدح!

لأنّك وحدك!
غريب بغربته دون أهل وصحب،
لأنّك ضيّعت مجدك مرتحلا ،
ومرتهنا بين قبر وشعب وحلم مؤجّل،
فقد عمّدوك بماء جهنّم ،
وقد خنقوك طويلا …
– أما من هواء نقيّ لصدرك؟ –
أتيت بغير الزّمان ، وغير المكان،
لأنت المسيح المعذّب.
أتيت الزّمان الخطأ ، والمكان الخطأ ،
وتبقى سجينا لبيت ومقهى ومكتب.
سجينا ستحمل عبئك وحدك.
أما من شمال ؟ أما من سماء ،
وبحر وحلم جديد؟…
– ومازلت تحلم! –
تعبت … وفي الصّدر ضيق وضيق…
تعبت … تعبت…
أما آن للفارس اليوم أن يترجّلْ؟

فظاعة

تعرّيتُ بالأمس حدّ الوهن..
فتحتُ عليّ الخيال ..
وأشعلته بعوِد ثقاب .. أجلستُ الكآبة حذوي ،
وسرتُ بين فروج الفراغ أراودُ ريح الألم…..
فزعا بالحقيقة.. أضأتُ المساءَ بكأسيّ نبيذٍ وبعضِ الشّموع..
أعددتُ المتاريسَ وجيش الشياطين…
وقلتُ: سأغزو العدم..
تهيّأتُ فحضر سادةُ الوقت..
حضرتْ ملائكة سودٌ، وأرواحٌ ماجنة ،

وهياكلُ عظميّة حضرتْ، راقصةً بربطاتِ عنق وجلابيب بيض..
مشيْـنا معا في أزقّة العدم الطويلِ ،
فتّحنا آفاقَ الغيبِ علينا فجرتْ أنهار
سمومٍ ،
وأعِدّتْ دنانُ الدّهشة واصطفـّتْ أقداحُ الخيبة والوهم..
شربنا بلا ذكرٍ ولا حبيب حتّى ثملنا حتّى تشاكلَ الأمرُ،
حتّى رأينا الديوكَ خيولا ً ..
خَـتمنا الرُّؤى والعمى وغمّسنا أصابعنا في شُقوق الهلع..

ففاحتْ جيَـفٌ وأرواحٌ عطنة.. فاحتِ الأبصارُ..
فنينا .. فزِعنا بنا فصحنا وبكينا الحياةَ ..
بكينا الألم.. وأنشدنا في ذروةِ النّسيانِ:
ما أبشعَ العالم!..ما أكذبَ هذا الحضورَ المجاز!.. ما أوسعَ الجريمة!..
ما أفظع الجيـَف الآدميّة!.. ما أوضعَ الإنسان!…

شؤون الآلهة

– ماذا ستفعل الآلهة في عيد الخلق؟
ستلهو بالكائنات ،
وتعبث بالمنطق :
كأن تصوغ إنسانا عيناه في مؤخّرة الرّأس ،
ووجهه مقلوب إلى أسفل .
فذلك من باب الانزياح عن المعنى الأصليّ ،
وسورياليّة التشكيل البصري للخلق.
ستبحث الآلهة البديعة في أرشيف الموتى
عن حوريّات وتمسخها قردة .
ستجترح معجزات جديدة .
بجرّة يد ستمسح كلّ وجود نشاز ،
وتعلن قيامة العدل .
أخيرا ستكتب معلّقة شعريّة ،
أو ملحمة سرديّة عن الخلق الوديع،
فذلك أيضا من عمل الآلهة ،
وضرب من إبداعها الحرّ.
الآلهة تحتاج إنسانا ومخيّلة…
وتحتاج عدلا .
– ماذا ستفعل الآلهة في إجازتها الطويلة؟
ستصنع نبيذا نبيلا وتسكر.
ستؤلّف سيمفونيّة المجد المجيد ،
وتنحت أيقونة تخلّد ذكراها …
وإذ يستوي الكون وتتّضح الرّؤى،
ترتاح الآلهة في عيد الخلق.

قناع

وقفتُ على طلل العالم المستباح …
كلّ شيء ينضح بالجريمة ،
هكذا قال السيّد ” بودلير” .
لكنّي وأنا في سقف المساء
مبذول لخيال سديميّ ،
أنعس في غيمي الخلّب ،
فكّرت في السيّدة التي أغرتني بمديح جسدها المعشوشب الغضّ ،
تراءت لي قمم شهوتها تنزف كشمس حائض ،
فنزفت معنى وغمست أصابعي في غياب سيّدتي المحمّص.

أمسكت بذيل رغبتها لمضاجعة المجاز.
صرتُ أعوي من فرط وقوعي على ما يشبه النّبع ،
النّبع الذي يصّاعد أحصنة في دمي المراق على سفح الوهم .
بلغت الحلم : ( أي إنّي بلغت السيّدة ذات الظلّ الأبنوس) ،
وأعددتُ هاوية تليق بنا.
لكنّ سيّدتي طيف أرجوانيّ ، تخاتل وتمانع .
فكّرتُ في أنّي رجل متبوع لا حظّ له من الجمال ،
شممتُ رائحة الخيبة في جبّة الغيب ،
صحوت ، وأعدت صياغة مقولة بودلير :
كلّ ما في العالم أقنعة وخداع …
أمّا سيّدتي فقد كانت ذئبة ،
ذئبة تتمشّى في منتجع الصّحراء! .
lm

عن abdallah

شاهد أيضاً

أقلام وأدباء من الجزائر:المبدع العصامي والرحالة : محمد العيد بهلولي/ بقلم: الطيب عبادلية – الجزائر/ جريدة الدّيار التّونسيّة

في رسالة الشوق من رواية الرحيل والذي يوسمها برواية المنفى يقول محمد العيد بهلولي : ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة − 4 =