الرئيسية / ثقافة / الكاتب السوري باسم سليمان يعترف للديار التونسية الكاتب الحقيقي هو الذي يكون نسقاً لوحده حاوره: نصر سامي

الكاتب السوري باسم سليمان يعترف للديار التونسية الكاتب الحقيقي هو الذي يكون نسقاً لوحده حاوره: نصر سامي

قلت له حدثني على سوريا الحبيبة. فقال لي: في سوريا الآن تختلط الأزمنة كما تختلط الأمكنة سقطتْ النسبية الزمنية لتحلّ محلّها النسبوية وسقطتْ هندسة إقليدس ولم ترتقها هندسة ريمن, لقد أصيبت البداهة التي هي الوطن بجرثومة التعريفات؛ في سوريا ليست الأرض هي المملوءة بالألغام لقد أصبح الشخص ذاته لغماً قد ينفجر بذاته في أفضل الأحوال, تفتتْ مقولة أجمل الأوطان أكذبها وتهشمتْ النوستالجيا وتمزقتْ راية الأمل ومع ذلك تستمر السّاق المقطوعة بالقفز واليد المبتورة بالتمسك بمقبض الباب والعيون المفقوءة بالرؤية, لقد حافظ السوري على الثنائية الجوهرية للوجود وهي الحياة والموت ومحافظته تكمن أنّه مازال يحاول أن لا تكون القسمة ضيزى لصالح أحد حدي الثنائية ومن هنا يمكن التعويل على الآتي.. قلت له أن ما قلته موجع وحارق. حما الله سوريا العظيمة. ثم بدنا كالعادة حديثنا عن الابدايات وعن الواقع وعن الاحلام. هذا كله تقرؤونه في حواري مع المبدع السوري المتميز باسم سليمان.

لم يكن في بيت العائلة من مكتبة بل كان هناك كتب في صناديق من الكرتون المقوى وفوق خزانة الثياب؛ كتبٌ لا تجد بها صوراً بل حبراً أسود متخمة به الصفحات الصفراء حد التقيؤ. في ثمانينات القرن الماضي دفع أبي مدرس الفلسفة, بكتبه إلي بيت الأدب” وهناك فيما كنت أقضي ما يفرضه الجسد من إكراهات, تعرفتُ على تلك الكتب التي كنت أمزق وريقاتها الصفراء, لأنظف بها “…” وفي إثناء ذلك تتبعت عيني الأحرف والكلمات والجمل واستساغت مقولتها إلى أن أصبحت أخرج معي من بيت الأدب أقساماً من كتاب قد وضع هناك وبعد أن انتهي من قراءة القسم أعيده بكل أمانة لبيت الأدب, فتعرّفت في بيت الأدب على أرسطو وابن عربي وألف ليلة وليلة وآخرين, لكن كنت أغافل أحياناً أمانة مكتبة بيت الأدب وأسرق بعض الوريقات الصفراء وأصنع بها زوارق ورقية أبحرها في مجرى ماء عين القرية التي كنت أعيش بها وتُدعى” متبت” وهي قرية من قرى جبال السّاحل السوري ثم تراجعت علاقتي بالكتب بشكلٍ كبير إلّا الكتب المدرسية والجامعية التي كنت أحقد عليها ومع ذلك, رغم الحقد تخرجت من جامعة دمشق للحقوق بتقدير عالٍ والسبب أنّي كنتُ أريد الانتهاء سريعاً من الدراسة.
دخل التلفزيون مبكراً على بيتنا وهناك تعرفت على مفهوم البطل الذي يهرع لإنقاذ الناس وضمناً الأنثى التي يحبّ في ذلك الزمن كان الأبطال كلهم رجال بدءاً من أبي وانتهاء بجون سيلفر بطل رواية جزيرة الكنز الذي أنتجت كمسلسل كرتوني للأطفال كان التلفزيون السوري يقدمه ضمن فقرة برامج الأطفال, في ذلك الزمن لم يكن هناك من بطلات من جنس النساء إلّا ما ندر وبحكم أنّي مصاب بإعاقة جسدية, فأعتقد أنّ التخييل الأول في حياتي كان أحلام اليقظة وخاصة مع اهتماماتي العلمية والفلكية التي بقيت بحيز ما يقدمه التلفزيون, فأنا ابن الصّورة أكثر بكثير من ابن الكلمة في ذلك الزّمن الآن اختلف الوضع وهكذا أصبحت بطلاً في أحلام اليقظة وأفلام الكرتون وحتى أول حبّ في حياتي كان لفتاة من كرتون والآن أكره الأبطال هذه الكذبة الرومنسية التافهة عن سيزيف أو برومثيوس.
قرأت فيما مضى لمركيز روايته” الحبّ في زمن الكوليرا” وإلى الآن احتفظ بكراسة فيها عدد لا بأس بها من العشيقات كنّ تعويضاً عن كلّ أحلام اليقظة في مراهقة كانت الإعاقة الجسدية هي حبّ شبابها, أظن أنّ السّبب وراء كثرة تلك النساء في حياتي هو البحث عن تلك الأنثى الكرتونية التي لم أحاول أبداً إيجادها بالكلمة بل بأجساد عبرن تحت قنطرة قلبي إلى أن أتت أنثى انتشلتني من نهر النساء إلى قطرة مائها.
ليس الحبّ سبب الكتابة أو أي أمر آخر بل التسلية, فأنا أكتب لأتسلى, لاستمتع فأنا قارئ في لحظة عودتي الثانية للكتاب ولا أريد أن أتخلى عن صفة القارئ لصالح صفة الكاتب, لذلك تبقى الكتابة لدي فعل تسلية ومتعة كأيّ قارئ يزجي وقته برواية قد حصلت على جائزة نوبل ثم يرميها بعد الانتهاء منها لمكتبة يتراكم الغبار عليها.
في الثالثة والثلاثين من عمري تعثرت بالشّعر وكتبت وتدحرجت بعدها ككرة الثلج حتى السّابعة والثلاثين في عام 2007 أصدرت ديواني الأول ” تشكيل أول” بناءً على نصيحة الشّاعر أحمد تيناوي, اعتبر” تشكيل أول” أصدق ما كتبت, فوقتها لم أكن أعرف المكر والخداع ولم استخدم به حتى التخييل بشكله الأولي” أحلام اليقظة” ولا بشكله الفني, كتبت ببساطة كجائع يفكر بعصافير معدته وعندما تنتهي القصيدة كنت أتجشأ.
هذا الديوان سمح لي الدخول لعالم الصحافة والتعرف على النّقد الصحافي وبالوقت ذاته اتسعت قراءاتي بشكل كبير جداً, فقد كنت أتعامل مع الكتب كالمدمن على التدخين أمجها حتى تلسع جمرتها شفاهي وعندما كتبت المجموعة القصصية الأولى ” تماماً قبلة ” كانت الرغبة التي تسوقني بأن أكتب القصّ كما أحبه أن يكون, لكن مع تعرفي على نظرية أنّ اللغة العربية ليست ترادفية وقراءة الميثيولوجيا بعين أخرى, تتجاوز الاستشراق الغبي أو التراثية النكوصية, صار للغة طعم آخر ومروحة من الدال والدوال بعلاقات جديدة, فكان ديوان ” لم أمسس” والمجموعة القصصية ” لسان الضفدع” تطبيقاً لحدٍ ما للرؤية الجديدة ومع صدور روايتي ” نوكيا” عن دار ليليت في كانون الثاني 2014 أكون قد أكملت مرحلة كتابية من حياتي مع توقع صدور ديواني الجديد ” طلْع السّراب” في أوائل هذا العام وآخر أنجزته بعنوان ” ما القمر إلّا قطعة نقدٍ سقطتْ من مال الله, أرميه مقامراً, أ هو حضور أمْ غيابْ؟ فيأتي نقشُه وجهَكِ”.
لا أؤمن بالأجيال الأدبية رغم مشروعية الطرح, فهذا كان يصحّ في زمن كان للأيديولوجيا سطوتها ووجود نظريات أدبية أُشملها بمفهوم الحداثة وما أنتجته من نظريات للكتابة والقراءة أمّا الآن, فنحن في ما بعد النظريات ومن الطبيعي أن نكون فيما بعد مقولة الجيل الأدبي, اعتقد الكاتب الحقيقي هو الذي يكون نسقاً لوحده وهذا ما اشتغل عليه بكتاباتي الأدبية والنقدية.
لا ريب أنّ القارئ العربي ما زال في تلقيه للأدب ضمن المرحلة الصائتة على الصعيد الشّعري, لذلك نجد سطوة لقصيدة العامود والتفعيلة رغم انحسارهما عن السّاحة وسيادة قصيدة النثر وقصيدة النثر هي قصيدة صامتة بنت الكتابة أكثر بكثير من أن تكون نتيجة الصّوت وهذا أثّر على تلقيها, فالانتقال من الأذن للعين على صعيد الكاتب لم تتواز معه النقلة من الأذن للعين على صعيد القارئ وهذه الهوة تزداد وخاصة مع سيادة صورة الميديا بأشكالها كافة.
كذلك الأمر في السّرد القصصي والروائي, فالمتلقي ظلّ في طور الحكاية التي هي أقرب للخبر في حين دخل الكاتب في طور آخر أكثر تعقيداً, فالتخييل عمل قصدي عمدي لا يهدف لطمأنة القارئ وتقديم وجبة من المتعة بل يكمن في نقل القلق الوجودي والشّك واليقين تجاه الثوابت القارّة في حياة الإنسان, سرد الحكاية سرد يملك اليقين والمبادئ على افتراض صحتها في حين سرد القصّ والرّواية على العكس من ذلك, هذا الأمر كان سبباً في ازدياد نسبة تراجع مفهوم القراءة, فالقارئ ذو الخلفية التراثية الغيبية لن يستسيغ هذا الكم الهائل من التشكيك واللايقين الذي يقدمه الكاتب الآن ولا يعني هذا الخضوع للقاري وطبيعية تلقيه بل يجب الإمعان في صدم القارئ, فالزمن الوجودي تخلف عنه القارئ العربي وليس هو فقط بل الكثير من الكتّاب يمارسون دور سدنة تلك الحالة الفصامية بين نهر الزمن والمستنقعات القارّة وهذا ما وجدناه مؤخراً فيما يُسمى الربيع العربي, فمطلب الحرّية والديمقراطية هي مطالب تمتح من الشّك واللايقين تجاه الأنظمة وسياقات المجتمعات والمعتقدات القارة, لكن الذي حدث أنّ الفرد العربي بعد إسقاط ما اعتبره من ديكتاتوريات, عاد لينتج أشكالها السّابقة من أنظمة وطرق حكم وسياقات اجتماعية بل انحدر أكثر تجاه سوءات اجتماعية كبيرة وهذا يعني أنّ التكلم عن ما اصطلح على تسميته بالنهضة العربية وبعدها الدولة القطرية كان لبوساً لا يستقيم مع واقع الحال, فالأنظمة والكتّاب كلاهما ساهموا في إنشاء يوتوبيات أعمتِ الفرد العربي عن واقعه المرير والأكثر ملامة هؤلاء الكتّاب الذين لا يرون بالقراء إلّا قطعاناً يجب أن تقودهم سواء بقصيدة أو رواية أو مقالة تدعو للحرّية والديمقراطية وعليه ماذا يختلف هؤلاء الكتّاب عن الأنظمة التي يناهضوها.
من هذا المنطلق طرحت بأحد قصص ” لسان الضفدع” سيرة حشرة الصرصار التي يعلّمها أحد المفكرين وعندما تسأل سؤالها ” تكون أو لا تكون هذا هو السؤال” تقتل المفكر وتقيم حرباً نووية, حيث المقولة العلمية تقول: إنّ الصراصير هي الكائنات التي تبقى بعد الجحيم النووي.
الحداثة لا تخرج من الكتب بل من المعمل, فلولا يرى الفرد الأوروبي القاطرة البخارية أمام عينيه تهزم قوى الطبيعة لن يكون قادراً على قبول الكتابات التنويرية التي رافقتها أمّا الذي حدث لدينا أنّنا لم نصنع أيّ آلة من آلات الحداثة وهكذا صار الفكر الحداثي وما بعده بنتاجه كافة لا قيمة له والواقع أكبر دليل على ذلك إذ عادت الأصولية الدينية بقوة لتكتسح المشهد الواقعي ولا يمكن ردعها إلّا بديكتاتورية عسكرية تعيد إنتاج المشهد السّابق ذاته.
مما سبق تأتي كتاباتي على صعيد اللغوي تمتح من أنّ اللغة العربية ليست لغة مترادفات وعلى صعيد الطرح الشّعري والسّردي تغرق في الشّك تجاه اليقين وتوابعه ولا تُقدم للقارئ وجبة من التسلية أو المتعة أو المعرفة القارّة بل أجد نجاح كتاباتي بقدرتها على إزعاج القارئ ودفعه إلى حدّ العداوة وكنت قد استخدمت رمز الغراب على حائط التواصل الاجتماعي كتعبير عن إعادة قراءة تاريخ الغراب واكتشاف مقدار الغنى والمحمولات الفكرية والدلالية والميثية للغراب ناقضاً كل ما رسخ بذهن القارئ عنه والأمر المضحك أنّي وجدت أكثر المتابعين تطيراً منه هم الكتّاب الذين يصدحون بأقوال التغير والحرية والديمقراطية أو المعادين لها يشتركون برفض الكشف الجديد لرمزية الغراب والتي هي من صميم تراث المنطقة من أنّ الغراب هو ابن الإله إنكي إله الماء العذب وهو شاهد حقٍ وحفار القبور الأول الذي يداري السوءات وغير ذلك الكثير.
لا اعتقد أنّي في موضع تقييم أحدى التجارب الأدبية لأحد الكتّاب, فالهمّ الأساسي لديّ هو ذاتي كيف أجبّها وكيف أعيد اكتشافها وانقضها وأتهكم عليها ومن هذا النقطة انقد النّسق الثقافي السّائد وسدنته.
1_66

2bdea28c904edd2c7fbbf9daf05acd4c

Sans titre

عن abdallah

شاهد أيضاً

أقلام وأدباء من الجزائر:المبدع العصامي والرحالة : محمد العيد بهلولي/ بقلم: الطيب عبادلية – الجزائر/ جريدة الدّيار التّونسيّة

في رسالة الشوق من رواية الرحيل والذي يوسمها برواية المنفى يقول محمد العيد بهلولي : ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − اثنا عشر =