الرئيسية / راي / أوتيك.. ظلم التاريخ وضبابية المستقبل بقلم حلمي العليوي

أوتيك.. ظلم التاريخ وضبابية المستقبل بقلم حلمي العليوي

كما هكذا، يظلم التاريخ أو يظلم، كما هكذا تصرخ أريان النائمة: (أنقذني يا كاتون، فبمبيوس يريد المذبحة، أنقذني، فما هرقل إلا تمثال جامد.). يبتسم كاتون، وينتحر رفضا للاستسلام.

أوتيك التاريخ، حضارة منسية:

أوتيك، أو أوتيكا أو بالأحرى أوتيقا كما ورد في المؤلف المنسوب لأرسطو “وليوس باتركولوس” . مدينة أسست حسب نفس الفيلسوف في القرن الثاني عشر قبل الميلاد وتحديدا سنة 1101 ق م. أي بعد تأسيس مدينة قادش بإسبانيا سنة 1110 ق م من قبل الفينيقيين، سكان مدينة صور. فكانت أوتيك مرفأ تجاريا يسهل حمايته لوجوده في مضيق غار الملح، مما يسهل محاربة القراصنة باستعمال المنجنيق. فترة فينيقية-بونية تظهر في الجرار الموجودة بمتحف أوتيك، والمقابر الموجودة بالمنطقة الأثرية التي حافظت على عديد الأثاث الجنائزي.
ولكن، وبعد مرور ما يناهز الثلاثمائة سنة، أسس الفينيقيون مدينة قرطاج، التي عاشت ازدهارا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، جعل دور أوتيك يتقلص منذ أواخر القرن السادس قبل الميلاد، لتصبح مدينة خاضعة إلى قرطاج مع المحافظة على رتبة مميزة بالمقارنة مع المدن الإفريقية الأخرى. وتروي الأسطورة وجود نفق يربط بين المدينتين، لم يتم الكشف عنه إلى غاية اليوم. تبعية تواصلت إلى حدود سنة 149 ق م. أي عند انطلاق الحرب الرومانية-البونية الثالثة، حين صارت أوتيك حليفة لروما وتنكرت لقرطاج، بعد أن كانت حليفتها في الحربين الأوليين (الحرب الأولى 264-241 ق.م، والحرب الثانية 218-202 ق.م). وفازت روما وصارت أوتيك مدينة حرة مكافأة من الرومان، وأصبحت عاصمة للمقاطعة الرومانية بشمال إفريقيا.
في سنة 49 ق.م شاركت أوتيكا في الحرب الأهلية التي واجه فيها أنصار يوليوس قيصر أتباع بومبيوس. وكان “كاتون” الأوتيكي متحمسا لبومبيوس ولكنه عارض في مناسبتين المذبحة التي كاد يتعرض لها أهالي أوتيك من قبل هذا الثائر بسبب انحيازهم لقيصر. ثم انتحر كاتون ليدخل باب التاريخ أو الأسطورة.
مكافأة أخرى لأهالي أوتيك، وهذه المرة من قبل أوكتافيوس الذي منحهم المواطنة سنة 36 ق.م. وبقيت مركز إقامة بروقنصل إفريقيا إلى حوالي 10 ق.م.
ولكن، كما كل مرة تظهر الدابة السوداء لأوتيكا، قرطاج، التي وقعت إعادة بنائها، ففقدت أوتيك قيمتها الأولية. رغم أنها، وفي عهد حكم الإمبراطور هدريانوس أصبحت تحظى بمرتبة مستوطنة. وشيد بها هذا الروماني ملعبا ومسرحا ثانيا وحماما كبيرا والحنايا. مسارح عدة يعد أحدها أكبر مسرح في إفريقيا.
ثم، وفي عهد الإمبراطور سبتميوس سفريوس (193-211 م) منحت أراضي أوتيكا صفة الأراضي “الإيطالية” مع كل ما يمثل ذلك من امتيازات كالإعفاء من الضرائب.
“ظهرت بوادر انتشار المسيحية لدى سكان أوتيكا منذ أواسط القرن الثالث ميلادي. وقد تضاءلت الشواهد الأثرية والتاريخية انطلاقا من القرن الخامس ميلادي. ولم تترك الفترتين الوندالية والبيزنطية أثرا كبيرا”.
هكذا تقول كتيبات وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، ولكن هل تم الحفر في بقية المدينة التي قدّرها المؤرخون بخمسة وأربعين هكتارا؟ أم أنهم استندوا فقط على الأربعة هكتارات ونصف التي أعطوها حق الحياة والخروج من تحت أتربة الزمن؟

أوتيك القرن العشرين أو أوتيك “الحزام الأخضر”:

“وادي مجردة يا باعث الحياة”، هكذا قال “ماركو”، أحد المعمرين الإيطاليين، صاحب مزرعة بأوتيك، هكذا فهم المستعمرون قيمة المنطقة، بأراضيها الرسوبية الباعثة للحياة بعد ابتعاد البحر حوالي 15 كيلومترا. وبوجود ماء وادي مجردة الذي حول أوتيك إلى حزام أخضر.
وهكذا استقر بها عديد المعمرين كــ “زانا” أو “zana ” صاحبة الخمارة. والتي أطلق اسمها على المنطقة حتى بعد رحيلها ، لتتحول “أوتيك الحضارة” أوتيك الفينيقيين، أوتيك الرومان، أوتيك الوندال والبيزنطيين إلى “زهانة” مواصلة لظلم التاريخ.
ورغم هذا كان لأوتيك دور في طرد الاستعمار. حيث قال عم خميس الطرابلسي، رحمه الله: “كنا نمرر خيوط الهاتف وسط الحشائش ليتمكن الجيش التونسي من التواصل” ويروي البعض، أن “منصور الخباز ” كان أحد الموالين للمستعمر، وجد مشنوقا بإحدى الشجرات قرب الموقع الأثري بأوتيك. وهكذا رفع أول علم تونسي بولاية بنزرت بمركز الحرس الوطني بـ”زهانة”.
وكانت النتيجة أن تم تأسيس معتمدية أوتيك سنة 1967، وكانت منطقة عوسجة وغار الملح تتبعان إداريا لنفس المعتمدية.
في عهد الرئيس السابق “الحبيب بورقيبة” تم بناء منطقة سكنية تبعد قرابة الكيلومترين عن المنطقة الأثرية، وكانت الأراضي هبات فرط فيها المنتفعون من خروج الاستعمار لولاية بنزرت. التي وهبتها بدورها للمتساكنين، دون أن تكون للولاية حجة ملكية لها، مما أدى إلى أن أغلب المتساكنين لا يملكون شهادة ملكية في منازلهم إلى حد اليوم.

أوتيك وبن علي: “من باعني ماء مجردة لآكل، فكأنه باعني الهواء لأتنفس”

سرق التاريخ، نقله إلى متاحف أخرى، حول التحف إلى أحواض للورود، باع ماء وادي مجردة للفلاحين الصغار، فصارت أوتيك بعد “الحزام الأخضر” ، “مستنقعا”.
هكذا يمكن تلخيص فترة حكم بن علي، وتأثيرها في مدينة أوتيك. ففي آخر سنوات حكمه بنى قصرا في مرتفعات الحويض التي تبعد 5 كيلومترات عن أوتيك، ليكون مكان النقاهة بعد العمليات المتعددة التي أجراها. فصار القصر متلألئ بالأضواء، طيلة السنة، بينما تسبح أوتيك في الظلام،
بنى دار شباب، دون تجهيزات، ونسي المكتبة العمومية، أو تناساها. فكانت مرتعا للفئران. بنى معهدا دون سور لحماية التلاميذ، ووهبه ميزانية لا تكفي لإطعام التلاميذ المقيمين.
وصار ماء وادي مجردة كالذهب، حيث منع استغلاله على الفلاحين، وبيع لهم بأثمان مشطة، مما أدى إلى هجر العمل الفلاحي، وبيع الأراضي والتحول إلى يد عاملة صناعية، فصارت أوتيك قاحلة. رغم أن السلطات لم تتدخل في هذا الوادي ذي المجرى الطبيعي، حيث لم تتم إقامة سد على مستوى منطقة أوتيك، ولا يتم تنظيفه دوريا مما أدى إلى عديد الفيضانات التي تضررت منها المساكن والأراضي. فبأي حق يباع الماء؟ حيث يقول نور الدين الأعتر، أحد متساكني أوتيك: “من باعني ماء مجردة لآكل، فكأنه باعني الهواء لأتنفس”
وبقيت أوتيك معتمدية، بينما صارت عوسجة وغار الملح مناطق بلدية، حيث تعلل المسؤولون بالتعداد السكاني، متناسين بأن عديد المناطق صارت بلديات دون أن يكون بها الخمسة آلاف ساكن.
وهكذا يحس أهالي أوتيك، رغم ما وهبهم الرومان من اهتمام ومن حق في المواطنة، بأنهم ليسوا بمواطنين، ولا يمتون للشعب التونسي بصلة، بسبب ما لحقهم من تهميش من قبل السلطات.

أوتيك المستقبل وضبابية الأوضاع:

بنية تحتية غائبة أو تكاد، وضعية عقارية مجهولة المعالم، بعض المجمّعات السكنية كعمادة البسباسية تفتقر للماء الصالح للشراب، …مستنقع مظلم … هذه هي معتمدية أوتيك أو مدخل ولاية بنزرت في الوضع الراهن. إلى درجة تدفع المتساكنين إلى التساؤل: هل نحن حقا تونسيون؟ فحتى كراء السوق الأسبوعي الذي يتجاوز المائة ألف دينار سنويا تنتفع منه ولاية بنزرت ولا تمدّ المعتمدية إلا بالفتات منه. رغم إستراتيجية موقع أوتيك، أكبر معتمدية في ولاية بنزرت، بما أنها تتوسط الطريق الوطنية عدد 8 والرابط بين تونس وبنزرت، وقربها من البحر على مستوى مدينة رفراف وغار الملح، رغم آثارها متعددة الحضارات، ورغم أراضيها الثرية المفتقرة لماء الري المحبوس في وادي مجردة.
هكذا، يكتب التاريخ على أوتيك أن تتوه تحت أتربة الزمن، وأن تكون مرتعا للفضلات… أن تكون مستنقعا مظلما.

منطقة البسباسية والماء الصالح للشراب:

سنة 2014 وبعض المناطق بالجمهورية التونسية لا تزال تفتقر للماء الصالح للشراب، منها منطقة البسباسية من معتمدية أوتيك. ورغم ذلك نرى أموالا طائلة تصرف على الأنشطة الثقافية في العاصمة وعديد المدن الكبرى. فما الأولى؟ أن تسقي مواطنا ماءا حرم منه، أم أن تلهي الشعب بأنشطة تدعمها الدولة بعشرات الملايين من الدينارات؟

أراض سقوية تفتقر لماء الري

يقول عادل الهمامي، صاحب أرض زراعية: ” غريب أمر السلطات، فماء مجردة يمر حذو قطعة الأرض الصغيرة التي أقتات منها أنا وكل عائلتي، ولكن ورغم أنه لم يتدخل أحد على مستوى معتمدية أوتيك في الوادي، فلا سدا أقيم، فإننا نضطر لدفع كل أموالنا لنتمكن من الري، وحتى إن تمكنا من ذلك بتوفير المال بالعمل في مناطق أخرى فإن الماء لا يصفى مما أدى إلى انسداد أغلب الشبكات.” هكذا تصبح أوتيك منطقة قاحلة رغم أنها كانت تسمى في ما مضى “الحزام الأخضر”.

عمل ثقافي معدم:

قليلة هي المرافق الثقافية بمعتمدية أوتيك، فان لم نذكر دار الشباب أحمد المشرقي التي تفتقر للتجهيزات الضرورية للسير العادي للنشاط حيث يقول السيد سليم النابلي مدير دار الشباب السابق: ” تتمثل أكبر مشاكلنا في ضعف الميزانية، التي لا تكفي حتى لطلاء الجدران الخارجية والسور، فما بالك إن أردنا اقتناء وحدة صوتية متكاملة أو معدات موسيقية أو حواسيب أو تجهيزات لنادي المسرح، هذه التجهيزات التي طالما احتجنا إليها وراسلنا الإدارات المختصة ولكننا لم نتلقى أي ردّ. أضف إلى ذلك انعدام السيولة المالية للقيام بإصلاحات صغيرة. أما ما يقلقني أكثر فهو ارتفاع السور الذي يعتبر غير كاف لحماية المؤسسة. رغم ذلك فإننا نحاول التعامل مع الأوضاع بإنشاء راديو واب خاص بمنطقة أوتيك”. أو المكتبة العمومية بأوتيك التي، كمكتبة “للأطفال” ، تفتقر لعديد المراجع حيث أن الشاب وخاصة الطالب لا يجد بين جدرانها المتداعية ما يلبي حاجياته الفكرية. فلا أنشطة أو فضاءات أخرى تذكر.

مؤسسات تربوية مهمشة:

معهد ثانوي، مدرسة إعدادية وعديد المدارس الابتدائية، ولكن ما يلاحظه أي مطلع على الأوضاع هو ضعف الميزانيات فبما أن المدرسة الإعدادية والمعهد يحتويان على مبيتات فإن أغلب الميزانية تندثر في إطعام المقيمين مما يصعب التزود ببقية الحاجيات، حتى البسيط منها،

بنية تحتية غائبة أو تكاد:

طرقات تذكرك بالمنطقة الأثرية بحفرها، فضلات أينما ذهبت، حشائش تغطي جدران المباني. والطامة الكبرى: شبكات التطهير غائبة أو تكاد، بحيث أن من يتجول في العديد من شوارع أوتيك يلاقي أمامه الفضلات الإنسانية.
والأدهى هو غياب الإنارة في الشوارع، فالفانوس الذي يكسر لا يعوض بآخر إلا بعد أسابيع أو أشهر.
بالإضافة إلى العديد من المشاكل الأخرى كالنقل، فالشركة الجهوية للنقل ببنزرت لم تستطع طيلة السنوات الماضية تلبية حاجيات النقل الداخلي في الولاية وخاصة بين أوتيك وبقية المناطق، فبعد الساعة الثامنة مساءا تصبح أوتيك سجنا، يستحيل الخروج أو الدخول إليها إلاّ لأصحاب السيارات.

كل هذه العوامل تجعل من معتمدية أوتيك، المنطقة الإستراتيجية في توسطها للطريق بين تونس وبنزرت، في قربها للبحر، في آثارها… “مستنقعا” ، عانى أهاليها، ولازالوا يعانون من التهميش. رغم أن الحلول بسيطة، فعلى الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها، بإنشاء بلدية مما يسهل أعمال التنظيف ويساهم في تركيز بنية تحتية. والبحث عن حل جاد لمشكلة التسوية العقارية. خطوات أولى ينتظرها أهالي معتمدية أوتيك، خطوات بإمكانها فتح آفاق عدة لمعتمدية تستطيع الإسهام في العمل الثقافي والسياحي للبلاد خاصة على مستوى المنطقة الأثرية.
45

عن abdallah

شاهد أيضاً

حقيقة الإرهاب : بقلم عبدالله القاسمي تونس

إن الانخراط في التنظيمات الإرهابية هو احد أخطر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الإنسان المسكون ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 1 =