الرئيسية / ثقافة / -أسئلة الهذيان- للشاعر الفلسطيني جميل حمادة معنى آخر للحرية بقلم الطيب جمَازي

-أسئلة الهذيان- للشاعر الفلسطيني جميل حمادة معنى آخر للحرية بقلم الطيب جمَازي

علام وهبت إبني قلبا لا يهدأ (إنجيل بابل)
لا يعرف الناس و لا الأصدقاء من أين تنبع سعادة هذا الكائن’إنه يهديك الإبتسامات والنكات والكتب بل ويدعوك لشرب قهوة في جلسة تظل تذكرها وتذكره وتحبه ولو دون سابق معرفة.يسألك عن الأصدقاء والوطن لكن سرعان ما تكتشف أنك أنت الوطن والأصدقاء بشرط أن تعيش سعادة شبيهة بالسعادة التي تغمره و التي أصبحت تشكل شخصيته فهو الكائن السعيد بالطبيعة . ينصحك بأن لا تفوت فرصة للسعادة لأنها على حد قول الشاعر الفرنسي” فرلين” إذا جاءتك مرة ولم تجدك فإنها لن تعود أبدا .خفة هذا الكائن تحتمل بل خفته تجعلك تعيد التفكير في مزاجك اليومي الذي يعيق أحيانا علاقاتك بكل أنواعها وتتمنى روحا كروحه حتى لا تفوت أي فرصة للسعادة والفرح.
كائن سعيد بكل شيء لا معنى للحزن عنده إلا التوقف عن الحياة فور بلوغه القلب , وجودي بالمعنى الاجتماعي والنفسي قبل الأدبي والحياة بالنسبة إليه تستحق الغبطة و الطمأنينة والتمرد الوحيد الشرعي فيها هو البحث عن السعادة وأسبابها ممكنة وسهلة وربما طبيعية لا ترهق النفس في البحث عنها ,النفس أمارة بالسعادة
أنه جميل حمادة الشاعر الفلسطيني السعيد الهانئ بما وُهب وما وهب صاحب القدرة العجيبة في صنع حياة تليق بإرادته في تعويض جرحه كفلسطيني . لم يسقط في ما سقط فيه شعراء فلسطين من جعل القضية عنوان وجوده وأدبه حد المباشرة ,أي أنه يفاجئك بقصائده و أغلب أشعاره أن القضية لم تعد قضيته الشخصية في الشعر والأدب عموما ولم تعد ذلك الحلم الذي يتطلب تحويله إلى وقود للبقاء, إنها الحلم الذي وجب تخليصه من كونه حلم ودهشة و امتهان للحزن والندم.
تجاوز كون القضية قضية وتجاوز عقد وعالم أصحاب القضايا بأن إعتبر الدفاع عن الإنسان هو في مرتبة أولى الدفاع عن الإنسان الفلسطيني.
– لا تدع حلما يدهشك
لا تدع حاسما يشد مساءك من أذنيه
-لا تدع زهرة تأسرك
– إلغ مشاعرك الصغيرة
وانتبه للحلم (ص70)
حب فلسطين وحلم العودة وكل مقومات القضية من الأحلام الصغيرة لأن حبها غريزي والعودة لا تصح لأنه لم يفارقها فحلم العودة يتطلب يقظة و شرط الرحيل أولا.
شعر جميل حمادة لا يتوسل الأحداث والتاريخ والأسماء والأحزان كي يكون بل و لا يلبس جبة الحماسة وعمامة الخطابة ولا يرفع عصا الحكمة والحلول المباشرة التي غالبا ما أضرت بالشعر الفلسطيني ,لكن غنفتاح شعرة على كل المضامين وهذا مفهوم الشعر لا يعني ثانوية القضية وخفوت تأثيرها في شعره وحياته
قال :بسم الله
و انتظر المطر
قال باسم :الأرض
و امتشق الحجر
قال باسم الحجر
ها قد دقت الساعة وانشق القمر
لم يبق في الكواكب غير الحجر
ملأ الكواكب شموسا حين مر
هذه يده وفي يدها الحجر (ص39)
أسئلة الهذيان :هدوء وتأمل
أسئلة الهذيان مجموعة شعرية خالية من الأسئلة أو من صيغة السؤال بل هي تأملات ذات لم تعد تغريها الحلول بل ظهرت وكأن الحلول لا تعنيها في زمن الهذيان, زمن الكل يهذي ليس لصعوبة الكلام واللغة بل لصعوبة التفكير و التدبير أي لصعوبة الحق والحقيقة
– خرج العاشق من قلب العاصفة
المضرجة بدم الحكاية البائسة
وذهب مع دمعه البهيج
ليصفح عن محبوبة غابرة
خذلته ذات خريف
ليشرب وحده شاي الخامسة (ص8)
هذا ليس سببا للهذيان بل سببا للتأمل ومراجعة الكيان لكن لماذا ينعت الشاعر مثل هذه المعاني بالهذيان؟
الهذيان هو أن تغني في زمن لا يحتاج فيه العالم للغناء وأن تحلم في عالم لا سبات فيه الإنسان راهن على اليقظة لذلك من الطبيعي أن تكون النفوس الحالمة الشاعرة في هذيان أو أن تدعي الهذيان خوفا من الإنسان اليقظ.
إنه ذكاء الشاعر الذي أخذ منه اليأس شعلة اليقين فسمى مقاصده بالهذيان كي يفتح سبيلا للهو والتعبير وتجاوز حرقة الأسئلة الحقيقية والمصيرية بل فلسفة أخرى ربما موازية لفلسفة المصير التي ملت النفس امتهانها وبالتالي يكون الهذيان ه سبيل لتحرير الذات لكن يظل السؤال هو عتبة هذه المحاولة
– هل يمكن أن تذهب نحو طمأنينتك؟
أن تخفي سر الحزن الرابض
في الجفنين والعينين وفي القامة
يمكن أن تخفي شحوبك الأبدي
متلفعا بالحكمة الجميلة (30)
ها هو جميل حمادة يتجه صوب البحر والمرأة و والطفولة يتجه صوب معانيه ويبدأ في رصد لحظات خفية سحرية في حياة إنسان مل البكاء والعمى في عالم يضحك بجنون ويرمي العميان في ظلمة أخرى فما من حل إلا الإجتهاد من أجل نيل قليلا من النور والنظر في أعماقه
– أنا الفاقد لدورة الكهرباء
أذلل معضلة الليل
بانتظار النهار الآتي
على سيفه الشمسي
أنا الواقف مستضاء بلا نار(45)
في هذه المجموعة الشعرية أراد أن يكون شيئا آخر أراد أن يكون الإنسان الذي لا تميزه عن غيره القضية فأتجه إلى أفق أرحب للشعر اتجه للحياة يقطف من صورها ما خطر له ويزين بها ما تشوه في أعماقه من معاني
كأنه رغب في قول أن الفلسطيني لم يخلق ليكون له قضية و يكون أدبه محروما من موضوعات الحياة الأخرى كالموت والسعادة والحب والطبيعة والطفولة والمرأة والصداقة…
كانت الأيام صديقتي
والزمان أخي
نمشي معا على الشاطئ
نقرأ آية الصبا
و نكتب شعر الطفولة
لقبيلة من الأطفال الناصعين
نشاكس النساء الصغيرات
و نغني معا لفيروز “وقف يا أسمر” (ص21)
جميل حمادة في أسئلة الهذيان حقق ما كان يخاف من الجهر به وغنى لذاته غناء مملوء ثقة بأن الكائن الحي لابد أن يتجمل بالحب مثلما يتجمل بالأحزان وهاهي طفولته تمر أمامه وصداقته الأيام كأنه يتمنى عودتها أو كأنه يرغب في العودة إليها ويظل هناك ليستريح قليلا من راهن ذاته ومآزقها التي سلبت منه غبطة الحياة وفرحها .
– موافق وعواطف
في ديوان أسئلة الهذيان مزج الشاعر بين العواطف والمواقف في تغنيه بالحياة يستعرض ما ينافيها من أشكال الموت, في قصص حبه وتأمل نبضات القلب تذهب سدى يلعن الزمن الذي كان بالأمس أخيه,يحاول الحركة والتحليق في السماء الرحبة لكن شلل في الأعضاء والحواس يشده لبشاعة الأرض وخرابها
كان يتأمل انطفاءه
رويدا في مهب العواصف
الرجل الذي لم يحفل
في عمره بالنساء(57)
آه من عمر لقلبي ضائع
كلما أجد التاريخ
أفقد البوصلة (ص78)
في رحلتنا مع قصائد جميل حمادة ندرك أن امتزاج العواطف بالمواقف هو اختيار واع وليس تردد أو اختفاء بحيث نهج نهج الكثير من شعراء فلسطين الذين كانت لهم رؤية مخالفة أو بالأحرى رؤية أخرى للالتزام وندرك محاولة ترفّعه عن جدل الواقع العقيم و البكاء على الأطلال و عبوره إلى جواهر المعاني… معاني إرادة الإنسان في صنع الحرية و نقصد بالحرية الحياة الخالية من كل ما ينافيها.
حين لا يفتح أحد في البرية
نوافذ لحجر الحكايات
لفم الكارثة أو بساطة الجنون
ودهشة الطريق المطوية بالصدى
أكون المنفلت من عقارب الغربة
بظلي الجسور (65)
خاتمة
طبيعة شعر جميل حمادة يتطلب الاستشهاد بكل القصيدة إذا ما حاولنا محاورتها أي أن الاستشهاد بمقاطع من القصيدة لا يكفي للحديث عنها ومحاولة الولوج إلى معانيها لأن قصيدته وحدة لا تتجزأ.
رغم صدور دواوين شعرية للشاعر تميزت بالنفس الملحمي “نشيد العطش” و “عرشاقيا” نشيد العشق المستحيل إلا أن جميل حمادة فصل في كل أعماله بين كونه الفلسطيني صاحب القضية وبين الأدب بل جانس بينهما ببراعة حقق الأدبية والشعرية ولم يتنصل من قضيته ويعتنق مبدأ الأدب للأدب الذي كثيرا ما يعتنقه مرتكبي الخطأ في حق الشعر والقضية معا. جميل حمادة قدرة على الهدوء في الحياة وفي الشعر

kj

عن abdallah

شاهد أيضاً

أقلام وأدباء من الجزائر:المبدع العصامي والرحالة : محمد العيد بهلولي/ بقلم: الطيب عبادلية – الجزائر/ جريدة الدّيار التّونسيّة

في رسالة الشوق من رواية الرحيل والذي يوسمها برواية المنفى يقول محمد العيد بهلولي : ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 1 =