الرئيسية / راي / داعش – مشروع كوني للقتل علي عنبر السعدي

داعش – مشروع كوني للقتل علي عنبر السعدي

1- الإرهاب واستخدام الأطفال
لم يترك العقل الجهنمي للإرهاب باباً للقتل لم يطرقه ، فبعد أن انتزع عدد من الشباب في مقتبل العمر من جامعاتهم ، ليدفعهم إلى تفجيرأنفسهم في الأبرياء ، وبعد أن استخدم النساء المعتوهات والساقطات ، هاهم دعاة الشيطان يبتكرون طريقة أخرى يلوثون فيها براءة الطفولة ويزرعون في نفوس الأطفال الحقد على كل البشر ليجعلوا منهم أداوت للقتل خدمة لمآ ربهم .
في الموروث الإسلامي – بل والعالمي كذلك – ان الأطفال هم طيور الجنة ، ذلك لأنهم في طور البراءة والنقاء ، لم يرتكبوا اثماً يحاسبوا عليه ، لذا فمن يموت منهم سيواجه ربه نقياً طاهراً ليتحول كما ينص الموروث الديني الى طائر يتجول في جنات النعيم .
هذه الحالة الشفافة التي أمنت بها البشرية جمعاء ، هي التي جعلت الطفل ( مواطن عالمي ) كما يطلق عليه ، إذ ليس هناك من أحد بين البشر أي يكن معتقده أو دينه أو قوميته ، لايحب الطفولة ، اللهم الا أولئك المصابون بأمراض نفسية أو عتاة المجرمين الذين لايتورعون عن القتل أياً كانت الضحية.
النماذج الأخيرة أفرزتها فقط ظاهرة الإرهاب ، وهي الوحيدة التي تجعل من شرعية القتل ديناً قائماً بذاته له كتبه ودعاته و( انبياؤه ) وهم كما أفتوا بجواز قتل الأطفال والنساء الحوامل ان كانوا من المخالفين لشرائع الإرهاب ، كذلك أفتوا بجواز استخدام الأطفال في العمليات الإرهابية .
وعلى ذلك ، وبعد الضربات القاصمة التي وجهت لهم في العراق وباكستان وبقية دول العالم ، وعجزهم بالتالي عن تجنيد المزيد من الانتحاريين الشباب ، ولاستنفاد تجنيد النساء ، ابتكرت مخيلاتهم المحمومة تسمية تداعب خيال الطفل ( طيور الجنة ) القادمة إليه من موروثه الاسروي والديني ، وطريقة كهذه تحقق فوائد جمة ، فهي تلحق أعداداً متزايدة من الأطفال أو اليافعين الذين هم في السنوات الأولى لسن المراهقة أو مادون ، كذلك فالصفة الملاصقة لحب الطفل ، تجعل مروره سهلا بين الحواجز.
يذكر ذلك بالعملية التي قام بها إرهابي بعد أن أركب اثنين من طلاب المدارس الابتدائية – فتى وأخته – في سيارته المليئة بالمتفجرات ومر بهما عبر السيطرات التي ظن رجالها انهم أولاده ، ثم أوقف سيارته بعد ذلك في مكان حساس والطفلين بداخلها كي لاتثير الانتباه ، قبل ان يفجرها عن بعد مع الطفلين.
كذلك حينما جمع سائق ( كوستر) مايقرب من 40 من اليافعين الذين كانوا يحتفلون بفوز المنتخب العراقي بكأس آسيا ، ثم فجرها بهم .
تلك الأساليب -على تنوعها – لم تعد تكفي بعد أن أصبح الآهل يحرصون على توصيل أولادهم الى المدرسة أو يوصوهم بان لايركبوا مع سائق غريب .
لذا قام الإرهابيون بافتتاح ( فضائية ) مخصصة للأطفال سميت كذلك (طيور الجنة ) ظاهرها تقديم أغان وأناشيد دينية واجتماعية تعلم الأطفال معنى الأخلاق والطاعة ، لكنها أيضا ومع استمرارهم في سماعها ومشاهدتها ، تغرس فيهم حب الموت وتمجيد ما يسمى ب( الجهاد والشهادة ) في ( سبيل الله ) .
لاشك ان البشرية تواجه تحدياً كبيراً يتمثل بذلك الورم السرطاني القاتل ( الإرهاب ) الذي هو أشد فتكاً من السرطان – بكل أنواعه- الذي لايقتل بالنتيجة سوى فرد واحد وبعد إنذار طويل زمنياً، عكس الإرهاب الذي يبحث دائما عن قتل جماعي وبشكل فجائي غادر .
2- داعش والمشروع الكوني : في المناطق التي يسيطر عليها (داعش) يحرص الإرهابيون على إحضار أطفال لاتتجاوز أعمار بعضهم العام الواحد ،ليشاهدوا عمليات الذبح والحرق التي يرتكبها الإرهابيون بحقّ الأسرى والمعارضين لجرائمهم من أبناء تلك المناطق .
منظر ذبح إنسان بطريقة تقشعر لها الأبدان ،لاشك انها تتطلب أن يتخلى الذباح عن كلّ مايربطه بعالم الإنسان ليتحول إلى كائن مفترس ومدمن للدماء ،ومن ثم فتعويد الطفل على مثل هذه المشاهد ،سيجعله مجرماً بالفطرة ومستعداً لارتكاب فعل الذبح وحرق الضحايا وهم يكبّر ويبتهج .
الإرهاب ليس فعلاً عنفياً وحسب ،بل تدميراً لمافي الإنسان من سوية ومايمكن ان يكون بداخله من عوامل الخير ،ومن ثم زرع بذور شريرة من الكراهية والحقد على كل ماهو إنساني
لقد تطورت التنظيمات الإرهابية خلال سنوات قليلة ،من خلايا مبعثرة منتشرة في عدد من الدول ،تتحرك بشكل سري ،فتقوم عند اللزوم بعلميات نوعية بتفجير مفخخات أو عمليات انتحارية بمختلف الوسائط بما فيها عمليات نوعية كبرى كما في الضربة التي وجهت لبرجي التجارة العالمية في نيويورك ،وغيرها من الأعمال الإرهابية الكبرى،ثم وصلت الى نسختها الأخطر (داعش )التي تعتبر بمثابة جيوش منظمة لها مستويات حركيتها بدءاً من الدعاة مروراً بالجباة ،وصولاً إلى (المجاهدين)بانتحارييهم ونخبتهم المقاتلة .
لقد اعتقدت (داعش )إنه باتت في وضع يسمح لها ببدء إقامة دولتها ،الممتدة على مساحات شاسعة من أندونسيا والفليبين وماليزيا شرقا،مروراً بباكستان وافغانستان وجمهوريا اسيا الوسطى،وصولاً إلى شواطئ المحيط ،على أن تستولي فيها على أهم النقاط الإستراتيجية التي تتوسط ذلك الامتداد الهائل من المساحات الجغرافية وملايين البشر التي يمثل الإسلام (السني) مكونها الرئيس ،وتلك المنطقة تتمثل أولاً في البلدان النفطية لإكساب الدولة قوة مالية تستطيع فيها تمويل نفسها والصرف على مقاتليها ومايحتاجونه ،كذلك من الضروري لاستراتيجيتها الكونية أن تستولي على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة ومن ثم انتزاعها من آل السعود الذي بات مشروعهم متقلصاً وبالياً قياساً بما تطرحة داعش ،فآل سعود اكتفوا بان يكونوا مملكة عائلية متوارثة ،محصورة في بقعة جغرافية محددة استولت فيها على مايخصّ المسلمين جميعاً ،ومن ثم فآل سعود ليسوا مؤهلين لقيادة دولة الخلافة المزمع إقامتها في اعادة إحياء للأمجاد الإسلامية.
عاصمة دولة الخلافة ينبغي أن تكون في واحدة من ثلاث : بغداد- مكة أو المدينة – دمشق – ولامانع في أن تكون اسطنبول من جديد ،فالقيادة التركية الحالية ،تبدو مناسبة للتلائم مع المشروع الداعشي بل والذهاب على اعتباره مشروعها الخاص ،فهو إسلام (متنور) يقود دولة مهمة سبق ان شهدت قيام إمبراطورية إسلامية استطاعت غزو أوروبا ونشر الإسلام في عدد من شعوبها ،كما انها تمثل السدّ المنيع بوجه الخطر القادم من الغرب من جهة ،ونقطة وثوب للقفز نحو ذلك الغرب ومهاجمته في عقر دارة من جهة أخرى ،خاصة بعد أن وجه الغرب الأوربي اهانات متواصلة لرفضه اضنمام تركيه الى اتحاده ،ومن ثم فعقلية الانتقام ستراود القيادة التركية في اظهار مقدار الخطأ الذي ارتكبته أوربا في موقفها ذاك ،الذي سيكون بمثابة اجراء مصالحة تاريخية مع المسلمين عبر قبول تركيا التي ستكون بمثابة جسر يربط بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي ،كما هي اسطنبول التي تربط بين قارتي آسيا وأوربا .
ولما كان كل أصحاب الآيديلوجيات الكبرى ،يغرقون في التاريخ حدود الهوس ،ويستحضرون كل مافيه من أزمنة منتقاة ،والأكثر حضوراً في هذا الجانب ،هم الطغاة وما قاموا به لمحاولة إحيائه ،لذا تقمص هتلر دور بسمارك في بعث ألمانيا ،وتقمص موسوليني شخصية قيصر ،فيما حاول ستالين التشبه ببطرس الأكبر ،وكل من أولئك الأوائل،نجح في جعل بلاده تتقدم بواسطة حكم مركزي صارم ،فقد استطاع هتلر انقاذ ألمانيا من التدهور المريع الذي حلّ بها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى ،وكذلك أنعش موسوليني ايطاليا وجعلها قوة يحسب حسابها بعد ان كانت من اضعف بلدان أوروبا ،كما استطاع ستالين الثبات ومن ثم هزيمة الجيوش النازية ومن ثم أدخل بلاده لتكون أحدى القوتين العظميين في العالم ،وقبلها استطاع لينين أن ينتزع لروسيا مكانة أوروبية بعد أن كانت مبعثرة ومهددة بالهزيمة .
جميع تلك الآيديلوجيات كانت نهايتها كارثية ،بعد أن فاتهم إدراك إن التاريخ وأحداثه ، ليست مجرد دوائر يمكن الخروج من أحداها للدخول في أخرى ،وإن متبدلاته أقوى من محاولات استرجاعه .
الآيديلوجيات العقائدية ،تبقى مجرد إرهاصات فكرية من طبيعة سياسية لمنتوج أرضي،لكن حينما يكون المقدس إلهاً متعالياً كلي القدرة ،يظهر قدرته بواسطة أناس انتدبوا أنفسهم لمهمة كونية كبرى كما يعتقدون ،تزداد خطورتهم ليس على مجتمعاتهم وحسب ،بل على كافة المجتمعات التي يستطيعون الوصول إليها أو السيطرة عليها،فيخرجونها من مسارها الطبيعي ليدخلوها قسرا ضمن سياقات خاصة عليها أن تؤمن فقط بما يملى عليها .
المجتمع الذي يقع تحت رحمة الآيديلوجيات الدينية- خاصة المتشددة منها – يعاد سكبه ضمن قوالب مجهزة سلفاً ليصبح أشبه بالريبورتات البشرية ،مبرمج على مقولات وسلوكيات لايتمكن من الخروج عنها ، وكما يحدث في مصانع الريبورتات، فإن من يخرج عن إطاعة مابرمج من اجله ،يتم اتلافه والقضاء عليه باعتبار ان (فايروساً) ما قد دخل على تركيبته أدت الى إخلال بوظائفه المعدّ من أجل القيام بها .
ظهرت (داعش )كنسخة مكثفة ومعاد صهرها ،تحوي خلاصة ما أفرزه تاريخ الفتوحات الإسلامية بكل ما شهدته من عنف ،وهي تستخدم الأساليب ذاتها التي استخدمها الفاتحون الأوائل بما فيها الحرق والذبح ،وهم يعتقدون في هذه السلوكيات إنها كفيلة بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم .
على ذلك يمكن القول إن داعش تبدو أقرب في مشروعها إلى تركيا منها إلى أية دول أخرى بما فيها تلك التي دعمتها مالاً وتسليحاً وفتاوى كالسعودية ودول الخليج الأخرى،فما أرادته السعودية بأن تكون التنظيمات الإرهابية ،بمثابة مصدر قوة لها وفرض إرادتها في ابتزازاً على المجتمع الدولي والدول المجاورة خصوصاً ،لكن حسابات الحقل السعودي المحدود ،لم تطابق البيدر الداعشي الممدود ،لذا انقلب السحر على الساحر وأصبحت السعودية تشعر بالخطر الداعشي بعد أن بدأت سنن اللهب تلامس وجهها ،وان مازالت على احتمال أن يحاول الملك الجديد سلمان ، تدارك الأخطاء السابقة ومن ثم يوصل مابين المشروعين الداعشي /التركي من جهة ،والسعودي / الخليجي من جهة أخرى .
في المؤشرات العامة ،تبدو الحرب طويلة وقاسية ،فقد استطاعت داعش فعلاً توسيع اطار تحركها العلني على مساحات شاسعة ومن ثم تنظيم أمورها وضمّ معظم التنظيمات ذت التوجهات المشابهة تحت رايتها ،من بوكو حرام افريقيا ،الى الجماعات الإرهابية في أقاصي آسيا ،ومن ثم فتح جبهات متعددة في آن واحد تربك القوى المناهضة وتشتت تركيز الضربات ، لكن رغم ذلك ،ورغم انشغال العالم بحروب ومشكلات اخرى يحاول فيها توحيد جهوده لتلافيها أو محاصرتها كالحرب في أوكرانيا مثلا،فان خطر داعش يبدو داهماً درجة لايمكن للعالم الانتظار طويلا وتركه ينمو أمام أنظاره في انبعاث نازية جديدة اشدّ هولا وفتكاً .
ينقسم العالم الغربي في هذه الناحية – وان نسبياً- فأمريكا تبدو غير مستعجلة وهي تلمّ أوراقها لتضع خططاً مستقبلية في اعادة ترتيب العالم انطلاقاً من منطقة الشرق الأوسط ،وتبدو داعش سلاحاً مناسباً لإرعاب مختلف الأطراف الإقليمية والدولية ، التي تدرك جميعها الحاجة الى الوجود والثقل الأمريكي في هذه الحرب ،ومن ثم تبدو على استعداد للتسنيق مع المواقف الأمريكية في ما تطلبه ،بما فيها تلك الأنظمة التي حاولت الخروج من العباءة الأمريكية أو حاولت إيجاد بدائلها الخاصة.
ان داعش خلقت للأمريكان لحظة تاريخية مفصلية لن تتكرر بسهولة ، لقد منحتها وقتاً كافياً للتصرف كما تشاء في تسريع خطوات الحرب ضد داعش أو إبقائها ضمن مستويات منخفضة انتظار لنضج أكثر في المنطقة يؤهل لإقامة (الكونفيدراليات الكبرى) التي بات حصولها يلوح في الأفق وان كانت هناك بعض الصعوبات التي مازالت قائمة ،وبالتالي فبداية الحرب الجدية ضد داعش ،مؤجل إلى مابعد التغيير المنتظر في السعودية على وجه الخصوص ،الذي سيحدد شكل التغيير القادم فيما سيحدث في المنطقة .
vbn

عن abdallah

شاهد أيضاً

حقيقة الإرهاب : بقلم عبدالله القاسمي تونس

إن الانخراط في التنظيمات الإرهابية هو احد أخطر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الإنسان المسكون ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − سبعة عشر =