الرئيسية / اخر الاخبار / حاسة شم سياسية السنجاب القطري والغراب السعودي والبطريق التركي رؤية الحاضر بعين المستقبل – بقلم الباحث و الناقد : علي عنبر السعدي ( العراق)

حاسة شم سياسية السنجاب القطري والغراب السعودي والبطريق التركي رؤية الحاضر بعين المستقبل – بقلم الباحث و الناقد : علي عنبر السعدي ( العراق)

95753للتحولات السياسة رائحة مميزة ،والبارع من يشمها قبل قدومها ، إنها أشبه بمهارة بعض المخلوقات في (التنبؤ ) بالزلازل قبل وقوعه ، ذلك مايعرفه علماء الجيولوجيا والرصد الزلالي من سلوك بعض الحيوانات كالسناجب والثعالب والجرذان وسواها ،حيث تضطرب سلوكيات بعضها وتكثر حركتها جيئاً وذهاباً، فيما يسارع بعضها الى الهرب ،ويكثر آخر من الإنصات.
قطر تلك الإمارة الصغيرة التي لاتمتلك مقومات دولة ،بحثت لنفسها عن مكان تشغله ،فتشابهت حركتها مع السنجاب ،تقفز لتتعلق على أغصان الأشجار الضخمة ثم تعود الى الأرض لالتقاط ثمارالبلوط ،وتتجنب الصدام مع أيما مخلوق آخر،رغم ان حركتها مثيرة للغضب حينا وللابتسام حيناً آخر.
حتى اليوم ،مازلت قطر تتكون من أرصدة بترولية ضخمة وفضائية (شريرة ) نشطة ،تدّس أنفها في كل حدث لتحوّره كما تشاء ،وتقلبه على أعقابه في خطاب وتقنيات عالية ،مع قراءة تجيد معرفة اتجاهات مشاهديها ،وصرف مالي بلاحساب .
قطر التي راهنت على الإخوان المسلمين الذين كان لصعودهم المثير في كل من مصر وتركيا ، والوجود الفاعل في سوريا والأردن ، فعل الحلم في ان تصبح قطر ،الركن الأهم على الخليج ،ليكون الأخوان المسلمين قد سيطروا على مساحات شاسعة وبلدان اقليمية مهمة ،تستطيع محاصرة الوهابية السعودية ومن ثم تحد من طموحها في قيادة العالم الاسلامي (السني ) من دون منافس ،يدعمها في ذلك الموارد المالية الضخمة،والاعلام متعدد الأشكال ،ثم التنظيمات الجهادية التي تستطيع بواسطتها خلق مشكلات أمنية حقيقية لأيما دولة .
إذا تصارعت الدول الكبرى ، فعلى الصغار إخفاء رؤوسهم ، تلك مقولة عدّت يوماً بمثابة حكمة سياسية بارعة،إذ أنها تعني المحافظة على الذات واتخاذ جانب الحذر كي لاتصبح الدول الصغرى ، كبش فداء لصراع الأقوياء ،فيما لو كشفت عن انحيازها ، لكن تلك المقولة لم تعد صالحة للاستخدام في عالم سريع التحول كما هو اليوم ، فإخفاء الرأس هنا ،يعني أن تطأك أقدام الآخرين وقد لاتتمكن من النهوض بعدها ،وعلى هذا وجدت الدول الإقليمية فرصة سانحة في رسم إستراتيجيات خاصّة في كلّ منها .
قطر قياساً بحجمها ومحدودية دورها فيما لو التزمت الطرق التقليدية في السياسة ،نجحت في زج نفسها بمصاف الدول الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في سياسات دول تفوقها حجماً وأهمية ، ويبدو من سلوكياتها ،إنها تتمتع بميزتان لاتتوافر لغيرها من دول الخليج (السنجابية والحربائية) فحاسة الشمّ القوية ،يجعلها تلتقط رائحة ليس ثمرة البلوط وحسب ،بل ودخان الحرائق باتجاهاتها القادمة مع الأماكن التي سيغطيها الدخان ، ولكونها برشاقة سنجاب وبقدرة حرباء على التلون ،وسواء كانت تبني مواقفها طبقاً لمعطيات وحسابات ذاتية ،أو تلقيها نصائح ومعلومات من جهات دولية ،فاتخاذ قرار التحول في وقت محدد ،يبدو متوافقاً مع حسابات المصالح .
لكن القرار القطري في تحولها السريع والمفاجيء كما يبدو ،وبهذه الزاوية الكاملة ، لم يكن مفاجئاً في واقع الأمر ولا مستعجلاً كذلك .
لقد أخذ بالتشكل منذ أن بدأت المؤشرات تأخذ منحى آخر.
الهجوم السعودي المضاد ،كان قوياً بما يكفي ليجعل القطريين يعيدون حساباتهم ،فقد أطيح بحكم الاخوان المسلمين في مصر،على يد جنرال يجيد هو الآخر قراءة المعطيات ،ومع ما يمتلكه بلد بحجم مصر من أهمية اقليمية باستطاعتها أن تكون في موقع الفعل ،فقد القطريون أهم وأقوى ركائزمشروعهم ، لكن عزاءهم أن خصومهم السعوديين ،لم يفرحوا كثيراً بإطاحة الإخوان ،ذلك لأن السيسي في وقت تلاعب بالسعوديين سياسياً وانتزع منهم مساعدات مالية من دون أن يقدم أثماناً سياسية باهضة ،فإنه دفع بالمصالح القطرية وتحالفها مع الإخوان الى زاوية المواجهة المباشرة .
النهج السعودي بعد انهيار حكم الإخوان في مصر ، بدا في ذروة اندفاعه ،فوصل شمالاً الى تخوم المحيط الأطلسي زارعاً انيابه في الجزائر والمغرب مروراً بليبيا وتونس ،وصولاً الى نيجيريا ،وجنوباً واصل زحفه الحثيث نحو جنوب شرق آسيا انطلاقاً من خلاياه المتمركزة في اندونيسيا والفلبين من جماعة ابي سياف ،وفي الشرق تغلغل في الجمهوريات السوفياتية السابقة (قرغيزيا ،اوزبكستان ،طاجيكستان ،الشيشان،تركمانستان )وسوا ها .
الحركة السعودية الإستراتيجية بفقهها المتشدد والأموال الطائلة التي وضعتها في خدمة الجميعات الدعوية والمؤسسات الاعلامية بمختلف مستوياتها ،ماكان لقطر أن تواجه مثل هذا الانتشار السعودي واسع النطاق ، الذي زج بساحة الصراع ،المزيد من التنظيمات المتبنية للفقه الوهابي والمتوالدة بسرعة كبيرة ، لذا إذ أقتصر الحراك القطري على مراهنة جديدة على أحزاب وجماعات قديمة (الإخوان )فقدت بعض ساحاتها الرئيسة ،فيما تراجعت أو اضمحلت في ساحات أخرى ،ولم يكن في مقدرة قطر إحداث اختراق في ساحة الإخوان الرئيسة (تركيا)فما الجديد الذي يمكنها تقديمه هناك قياساً بطروحات الجهاد الوهابية التي تفرز مقاتلين مستعدين للانتحار في سبيل العقيدة ؟
النشوة السعودية وصلت ذروتها بعد الموافقة- ضمنية أو معلنة – من الدول الكبرى على تدخلها في اليمن ،وفي الأشهر الأولى للحرب ،كانت حسابات السعودية تذهب الى انها ستحقق نصراً سريعاً وحاسماً هناك ،ثم تتجه الى ساحات أخرى قد تشمل التدخل في سوريا والتلويح بالعراق ،بل ووصل الأمر الى الإيحاء بتهديد ايران وروسيا .
كان الوضع مثالياً كما ظهر عليه المشهد آنذاك ، فالسعودية استطاعت تعويم نفسها كنظام مستقر ومعتدل ،وسط فوضى واضطراب يعمّ المنطقة ،وفوق ذلك باستطاعتها أن تكون شرطياً ان تطلب الأمر ،ومن ثم ضخ المزيد من الأموال في شرايين شركات صناعات السلاح الأمريكية .
يعرف مكافحو الحرائق في الغابات ،نظرية فيزيائية تعرف ب(مكافحة النار بالنار) فحين تشبّ حرائق ضخمة يصعب ايقافها بالطرق الاعتيادية ،يلجأ هؤلاء الى اشعال حريق مقابل أصغر حجماً ومسيطرا عليه ليساهم باطفاء الحريق الكبير ،شرط أن يشعل في وقت محدد بدقة لاقبل الآوان ولابعده ،وأي خطأ في الحساب سيحول الأمر الى كارثة .
السعودية ساهمت بأشعال سلسلة من الحرائق في البلدان المجاورة ،خاصة تلك التي تشكل الحواضر العربية المنافسة(العراق – سوريا – مصر) وحرصت على استمرارها بتغذية العنف ،وفي ذلك صنعت السعودية لنفسها مكانة بدت فيها إنها تستطيع التحكم في مسارات الأحداث بل وتوجييها حسب رغباتها ،وهي في ذلك أعادت لنفسها موقع الشريك الفاعل والمتفاعل للرؤية الأمريكية الكونية ،خاصة بعد تراجع دور كان للسعودية أيام الحرب الباردة حيث استطاعت الحفاظ على علاقات وثيقة ثابتة مع المعسكر الغربي وسط منطقة اجتاحتها الثورات والأنظمة الاشتراكية الموالية للمعسكر الآخر .
أمريكا التي استفاقت بعد الضربة الصادمة في أيلول 2001
واكتشافها إن الارهاب الذي دعمته بمساعدة قوية من السعودية ،ووجهته ضد العدو السوفييتي في افغانستان ،ارتد عليها بشكل أساس ،لكن السعودية استطاعت التحكم به بشكل ما ،ومن ثم ابقاء نفسها بمأمن عنه من جهة ، والتوسع من خلاله من جهة أخرى، ومصدر القوة فيه ،ان السعودية تستطيع دائما نفي علاقتها المباشرة بالارهاب وعدم ترك دليل قاطع في تلك العلاقة يمكن استخدامه ضدها ،فبدت كالمتهم الذي يعرف الجميع علاقته بالجريمة ،لكن لا أحد يمتلك الدليل ،أو كإسرائيل واسلحتها النووية التي فتحت مجال الشكّ في امتلاكها ،ومن ثم جعلت ذلك الشك جزءاً من استراتيجيتها للردع.
السعودية والسيناريوهات المحتملة لإسقاط نظامها .
القوّة الظاهرة والضعف الكامن ،في مقابل القوة الكامنة والضعف الظاهر ،ذلك مايظهره المشهد بين كل من العراق والسعودية في اتجاهين متضادين ،فما هي مصادر القوة والضعف عند كل من الطرفين ؟ وكيف يمكن إدارة الصراع بينهما ؟
لم يعد هناك الكثير في العالم – خاصة في الدول الكبرى – من يسأل إن كان للسعودية دور في دعم الإرهاب من عدمه، ولا عن حجمه واتساعه ، فتلك أصبحت أشبه بقناعات تؤيدها أدلة وشواهد ، إنما البحث عن وسائل ناجعة لإسقاط النظام السعودي ، بات أشبه بالضرورة ، فذلك إن حصل ،سيكون بمثابة هدية كبرى للديمقراطية وضربة كبيرة لقوى الإرهاب ،وهو ما أصبح بمثابة بداهات قد لايختلف عليها كثيرون ،لكن السؤال إنما يتمحورحول الكيفية التي يمكن العمل من خلالها ،من دون إثارة مشاعر المسلمين إن تم الإسقاط بغزو خارجي ،لا حباً بالنظام هناك،بل لإظهارإن أي عمل عسكري تقوده دولة أجنبية ،سيكون بمثابة استهداف لمقدسات المسلمين في مكة والمدينة ، أكثر مما يستهدف نظاماً بعينه.
ثلاثة من الأسلحة الرئيسة التي كانت تعتمد ها السعودية
كنقاط ارتكاز لإدامة حكمها ،يكمن أولها في قدرتها على التعامل مع الغرب والانحياز له أيام الحرب الباردة ، ومن ثم تقديم نفسها باعتبارها مركزا الاعتدال في منطقة كانت تعجّ بالحركات والأنظمة الثورية القومية أو الماركسية المناهضة للغرب بمعظمها .
فيما تمثل العامل الثاني ،في سلاح البترول التي استطاعت السعودية من خلال قدرتها الكبيرة على الإنتاج والتصدير ،من سدّ أي نقص في ذلك المصدر الأهم للطاقة ،ومن ثم الحفاظ على استقرار أسعاره العالمية .
أما الأهمية الأكبر للسعودية ،فقد ظهرت إبّان دخول الجيش السوفييتي – آنذاك – إلى أفغانستان ،والمواجهات الشرسة التي خاضها مقاتلون إسلاميون أدت بنتيجتها إلى خروج ذلك الجيش مع ماتبعها من أوضاع ساهمت بنسبة ما في تفكك الاتحاد السوفييتي وبالتالي ربحت أمريكا والغرب الحرب الباردة .
يومها كانت السعودية من أهم الممولين بالمال والسلاح والمتطوعين الذين برز منهم لاحقاً أسامة بن لادن .
كان وجود السعودية بنظامها الحالي ،حاجة مهمة للمصالح الأمريكية ،لذا كانت (أشهر العسل )بين الاثنين تبدو بلا انتهاء ،ما دعى الكثير من المتابعين إلى اعتباران العلاقات الأمريكية مع السعودية ،هي حلف استراتيجي متين .
إلا أن الأمور بدأت تتغير ببطء منذ سقوط جدار برلين ،فأمريكا لم تعد بحاجة إلى السعودية كحليف ثابت ومحوري ، خاصة بعد سقوط الشاه حليفها الأكثر أهمية ومن ثم وقوع الضفة الشرقية من الخليج بيد (التطرف ) الشيعي(الثورة الخمينية ) الذي دشنت عهدها باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز رهائن أمريكيين ،لم تنجح المغامرة العسكرية (*) في إنقاذهم .
لكن منذ ذلك الحين ،تغيرت معطيات كثيرة لم يصب أي منها في خدمة السعودية ،فبعد أن سقطت نقطة الارتكاز الأولى (الاعتدال والموالاة) وما كان للسعودية من دور في ظل الحرب الباردة ،انحصرت الأهمية في كثافة الإنتاج السعودي من النفط وعدم إيجاد بدائل يمكنها تغطية مايحصل من نقص الإنتاج السعودي في الفترة التي يتطلبها التغيير .
ومع دخول الطاقة البديلة(البترول الصخري ) حيز الخدمة الفعلية في أمريكا ،فقدت السعودية ورقة أخرى لتصبح مكشوفة في وجه الأعاصير ،مقابل الضرر التي باتت تسببه للعالم أجمع بدعمها للمنظمات العنفية بعد أن جعلت من ذلك بمثابة إستراتيجية كبرى – وربما وحيدة – لإبقاء قدرتها على الفعل والحركة .
ماالعمل الذي يمكن أن تقدم عليه الدول الكبرى للتخلص من النظام السعودي؟
مابات واضحاً ، أن الفارق بين العراق والسعودية ليس في نظام الحكم وحسب ، بل في نهجين مختلفين بنظرتهما إلى الإسلام ،فالعرا ق يمكن وصفه بأنه يمثل إسلام (وجادلوهم بالتي هي أحسن) أي الإسلام الذي يتسم به المذهب الاثنى عشري (الشيعة) عموماً ،حيث لم يعرف عن هؤلاء بتاريخ مرجعياتهم الدينية إن لجاوا للتكفير أو استحلال قتل المختلف أو الدعوة إلى ذلك، إنهم والحالة هذه طقوسيون أكثر من كونهم عقائديين ،وطقوسهم السلمية تلك،تمارس تعذيب الجسد دون قتله ،وبالتالي فربما ساهمت إلى حدّ ما، في تفريغ شحنات الغضب التي تعتلج في نفوسهم جراء ما يتعرضون له ،تلك هي طريقة التقرّب إلى الله ونيل الثواب بما فيها الدخول إلى الجنة حسب معتقدهم.
أما السعودية بمذهبها الحنبلي الوهابي ، فهي إسلام (وحاصروهم واقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ) ما يعني في تطبيقاته طلب الجنة عن طريق قتل الآخر والتقرب إلى الله بقتل النفس التي يزيد تقربها من مرضاة الله بمقدار ما تقتل من المخالف أو المختلف.
وفي وقت يجد فيه العالم نفسه وسط أتون مما يسببه مذهب التكفير والعقيدة التي تحولت إلى أدوات قتل وتنكيل وكراهية ،يبحث عن أفضل السبل للتخلص من هذه الدعاوى التي يبدو إنها تزداد سعيراً بامتلاكها الكثير من الثروات التي يمكن صرفها لنشر مذهب التشدد ،لذا تنمو خلايا الكراهة ومنظمات العنف حيث تصل تلك الدعاوى .
في المشهد الدولي العام ، تبدو البشرية إن بإمكانه التعايش مع طقوس (الدين) الأول بممارساته التي تشبه كرنفالات أو أعياد مما عرفته الكثير من الشعوب عبر تاريخها الحضاري ،فهي طقوس جمالية في بعض أوجهها حيث يجتمع ملايين من الناس في مكان محدد ليمارسوا نوعا من التطهر السلمي بطابعه ومظهره .
أمام هذا الانفصال الفعلي،فمن البداهة توقع إن العالم سيختار الاصطفاف مع (الإسلام) الطقوسي ،على حساب الإسلام العقيدي ،بعد أن تحولت تلك العقائد إلى نوع من سلاح تدمير شامل ضد كل شعوب الأرض،ما يعطي لمقولة هينغنتون (صراع الحضارات ) نوع من الصدقية ،فالإسلام العقائدي يبدو مشتبكا مع العالم كله ،من البوذية والهندوسية شرقاً ، حتى المسيحية غرباً ،مروراً بالإسلام الآخر المختلف وسطاً ،طارحاً نوعاً من الحرب الكونية التي تمتد على القارات الخمس ،وأن بنسب متفاوتة حسب سخونة الصراع ،فيما يمتلك الشيعة مقولة أخرى عن (حوار الحضارات) التي تبدو منسجمة مع طروحاتهم الدينية .
ماالذي يمكن استخلاصة من كلام كهذا؟
لابد لإسقاط النظام السعودي ،أن يوكل إلى طرف مسلم ،وكان الأصلح لتلك المهمة ،أن يقوم بها الإخوان المسلمون ،حيث سيكون تشكيلهم رأس حربة في فعل الإسقاط ،بمثابة صراع داخلي على السلطة تماماً كما فعل آل سعود مطلع القرن الماضي مع الشريف حسين ،لكن الهجوم المضاد الذي قامت به السعودية في إسقاط حكم الإخوان في مصر ،الذي لم يتمكن من ترسيخ أقدامه هناك ،أجهض مثل ذلك الاحتمال ،ليجري من ثم البحث عن بديل آخر.
يبدو العراق اليوم ، الأقرب للقيام بهذه المهمة ،لكن أمام ذلك عقبات كبيرة عليه تجاوزها أولاً ، أولها استعادة وحدته الوطنية وقيام حكومة تستطيع أن تكتسب ثقة الشعب – خاصة في مكونه العربي بشقيه الشيعي السنّي – ذلك لأن الانقسامات ستجعل الأمر يصور وكأنه غزو مذهبي لأراض سنيّة،ما يسهم في إجهاض مهمة كهذه ،ذلك ما أدركته السعودية كما أظهرت الأحداث ،لذا سارعت بهجوم مضاد زاد في حدّة الانقسام بين هذين المكونين ، لإجهاض أي احتمال من هذا النوع.
الإ أن الاحتمالات لم تستنفذ بعد، وربما تشكلت نواتها لاحقاً من:العراق – الأردن – مصر – التي يبدو لكل منها مصلحة في إسقاط النظام السعودي .
المملكة الأردنية التي احتفظت على صعيد خطاب الحكم ،بمرونة سياسية وسلوكية عالية قياساً بالسعودية ،مازالت تشعر أن أرض الحجاز مُلك لجدها الأكبر (الشريف حسين )سليل النبي محمد ،وهذه الأرض قد انتزعتْ منه عنوة من قبل آل سعود ومن ثم فهي بحكم المغتصبة ،لذا فاسترجاعها سيمنح الحكم الأردني زخماً يمكنه من مواجهة التحديات الداخلية التي بدأ يواجهها من الحركات السلفية المرتبطة بالوهابية ، ومن ثم سيظهر الملك الأردني بمثابة محرر لأرض الأجداد ، لكن ولمحدودية القدرات الأردنية وخطورة إعلان العداء للسعودية بقوة نفوذها المالي والمذهبي ،سيجد صعوبة هائلة قبل أن يضمن تحالفاً دولياً تقوده أمريكا – وربما روسيا – لمساندته في مسعاه ،الذي قد لايمثل غزوا عسكريا يقوم به الأردن بالضرورة ،بل رفع درجة الاستفزاز حدّاً يدعوا السعودية للتدخل على غرار مايحصل في العراق وسوريا واليمن ،يمكن اتخاذه ذريعة لخطوات لاحقة .
دخول الأردن ومصر الى ساحة الصراع إلى جانب العراق ،سينزع صفة الصراع الطائفي ،ليحوله إلى صراع سياسي بين دول تأذت من سلوكيات السعودية وتشكيلها خطراً يهدد أمنها الوطني .
في حال حصول سيناريو كهذا ،ومع تغطية جوية للطائرات الأمريكية الغربية – بل وربما الروسية كذلك –ومع تحركات داخلية يقوم بها سكان المنطقتين الشرقية والجنوبية حيث الشيعة في حائل والقطيف والإحساء ،والزيدية في نجران وجيزان وعسير،يمكن توقع انهيار النظام السعودي بالسرعة التي انهار بها نظام صدام حسين ،وبالتالي انبثاق نظام ديمقراطي تعددي على غرار ماهو قائم في العراق ،بعد انسحاب القوات المهاجمة .
لاتحتاج أمريكا الكثير لايجاد مبررات التدخل ،فإذا كانت قد دخلت العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل المشكوك بوجودها في حوزة نظام صدام،فإن بإمكانها إعلان السعودية دولة داعمة للإرهاب الذي يتجاوز خطره ماقيل عن أسلحة الدمار الشامل في العراق قبل 2003.
الخلاصة :تبدو الدول الكبرى منقسمة في الكثير من المناطق الساخنة في العالم ،لكنه قد تتفق في نقطتين : دعم العراق لمواجهة داعش ،والموافقة على سقوط النظام السعودي.
حماقات تتحكم بمصير الشعوب
عن البطريق التركي
قد يفاجأ المراقب عن مقدار الحماقات التي يرتكبها قادة سياسيون في بلدان ثرية أو كبيرة ، وهذه الحماقات التي تتخذ في لحظات أو في أوقات حرجة يتصورها هؤلاء أنها تكرس شخصياتهم كزعماء تاريخيين ، لكنهم يتسببون بتدمير بلدانهم وإزالة قياداتهم، في التاريخ المعاصر داعبت خيالات هتلر أحلام الامبراطورية الجرمانية كما داعبت موسوليني أحلام مجد روما ، وبهذا الوهم وبالحسابات التي كانت قائمة انذاك التي اشارت أن المانيا كانت الأقوى في أوربا شن هتلر هجومه وسانده موسوليني بالغايات ذاتها ، فلو امتلك هتلر رؤية استراتيجية صالحة لأدرك ان العالم يتجه لإلغاء الدكتاتوريات التي عاشت طويلا ولكانت النهاية معروفة ،أما ما زرعه ستالين فقد ظهر بعد عقود في تفكك الاتحاد السوفيتي ، في المنطقة شهدنا الحماقات نفسها فقد داعبت أحلام العظمة وإعادة مجد الامبراطوريات البابلية رأس صدام حسين وخاض مغامراته الخاسرة الواحدة تلو الاخرى والنتيجة كانت سقوطه المدوي وتدمير العراق ، واليوم تتكرر المشاهد في ارتكاب الحماقات ، في مثالين واضحين، خوض السعودية معركتها ضد اليمن بتصور اقرب للسذاجة بأنها ستنتصر بما تمتلكه من مال وأسلحة في أسابيع قليلة ،ولم تدرك أن العالم بأكمله ينظر اليها كظل ثقيل لا يمكن أن يمنحها نفوذا وانتصارا كي لا يساهم بانتشار التشدد أكثر مما هو ، ولم يكن في اي حساب أو تصور أن السعودية يمكن ان تنتصر في معركة مباشرة ، فاقصى ما تستطيعه صرف الاموال الطائلة من اجل نشر الوهابية ودعم التنظمات الارهابية كجزء من مصادر قوتها ونفوذها ثم اكمل اردوغان مسلسل الحماقات ، فالرجل وبعد نجاحه بالانتخابات تصور انه امتلك ناصية العظمة فكان أن اقدم على مراهنات خاسرة باسقاط طائرة لم يصدق احد روايته باقترابها من الحدود ، حتى اقرب حلفائه في الحلف الاطلسي ، لم يدرك اردوغان ان مزاج العالم بما فيه امريكا واوربا قد تغير كليا تجاه نظام اسلامي كنظامه ولم يدرك مغزى رفض الاوربيين المتواصل لقبول تركيا في السوق الاوربية المشتركة رغم كل محاولاته وربما فاته ايضا ان موضوع دعمه للارهاب اصبح كذلك واضحا امام الجميع ومع ذلك كان بامكانه ان يستمر على سياسته من دون ان يدخل عنق الزجاجة لكن روسيا كذلك حاصرته من جهة الشرق كما حاصرته اوربا من جهة الغرب فأحلامه بتحقيق انتصار في سوريا تلاشت واقامة منطقة عازلة باقتطاع اراض سورية لم تنجح حيث لم يتمكن من تسويقها عند حلفائه ولم يستطع فرضها على الارض بعد التدخل الروسي القوي ، اما امدادات النفط التي كان يحصل عليها بشكل شبه مجاني من حقول الموصل والمناطق السورية من قبل داعش فقد ضربت هي الاخرى بالطيران الروسي وتكلفت تركيا خسائر كبيرة ، حساباته في اسقاط الطائرة الروسية جعلته محاصرا حد الاختناق فبوتين الان هو من يمتلك كل اوراق الرد وهو الذي سيختار طريقة الرد ومكانه وزمانه اما نتائجه الاولية فكانت تكثيف النشاط العسكري جوا وبحرا على الحدود التركية وتدمير كل المعابرالتي كان الاتراك يستغلونها لتمرير الاسلحة الى المجموعات المسلحة وتلاشت تماما فكرة اردوغان بالمنطقة العازلة بل اصبحت الطائرات التركية ذاتها مهددة اذا اقتربت من حدودها اذ ستعتبر روسيا انها تهدد قواتها كما اعلنت وبالتالي لم يبق امام اردوغان سوى الانتظار لما سيقرره بوتين دون امتلاكه قدرة على الرد لا في سوريا ولا في امكنة اخرى ، اما المشاكل التركية الداخلية كالمشكلة الكردية فتزداد عمقا وارباكا لاردوغان خاصة اذا اقدمت روسيا وكما هو متوقع بتزويد حزب العمال الكردستاني باسلحة حديثة ستجعل تركيا تخوض حرب استنزاف لن يستطيع اردوغان الانتصار فيها.
9575395753

عن abdallah

شاهد أيضاً

ما هي الدول التي نجت من الوباء حتى الآن

غزا فيروس كورونا مشارق الأرض ومغاربها، ووصفته منظمة الصحة العالمية بـ”الجائحة”، إلا أن دولا قليلة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − 4 =